فَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ هِيَ مِنْ أَجْلِ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ التَّرَقِّي إِلَى الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَةُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَالْبَحْثِ عَنْ جَوْهَرِهَا وَكَيْفَ قُرِنَتْ بِجَسَدٍ كَثِيفٍ، وَهِيَ جَوْهَرَةٌ رُوحَانِيَّةٌ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ وَاجْتِمَاعُهُمَا مِنْ الْعَجَبِ حَيْثُ يَنْفَعُهَا مَا يَضُرُّهُ، وَيَضُرُّهَا مَا يَنْفَعُهُ، وَهِيَ الْحَامِلَةُ وَالْمُدِبرَةُ لَهُ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا بِهَا وَهِيَ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ وَلَا خَارِجَةَ عَنْهُ، وَهِيَ مِنْ نُورٍ، وَهِيَ مِنْ تُرَابٍ، فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ عَرَفَ رَبِّهُ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يَحْصُرُهُ زَمَانٌ، حَيْثُ بِمَعْرِفَتِهِ لِنَفْسِهِ وَمِمَّا بَدَتْ يَعْرِفُ جَسَدُهُ وَمِمَّا تَرَكَّبَ، وَيُعْرَفُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَيَهْتَدِي لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَيَرْتَقِي بِذَلِكَ إِلَى عَالِمٍ أَخَصَّ وَأَخْلَصَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، فَإِذَا وَفَّى مَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الدَّارِ وَاسْتَحَقَّ مِنْ اللَّهِ الصَّفَاءَ فَأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى النُّورَانِيَّةِ الْعُظْمَى وَيُصْبِحُ كَوْكَباً سَمَاوِيّاً بِجِوَارِ مَوْلَاهُ مُخَيَّراً فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ وَمُرَتَّبَةٌ كَبِيرَةٌ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ الثِّقَةُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَلِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فِي كِتَابِ مَجْمَعِ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ: قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو التُّحَفِ هِبَةُ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ قَالَ: سَأَلْتُ مَوْلَايَ الشَّيْخِ الثِّقَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا يَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِ إِذَا صَفَّى؟ قَالَ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي الْخُصِيبِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ مُسْتَقَرُّهُ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ قَالَ: كُنْتُ بِحَضْرَةِ مَوْلَايَ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ




