لِذَا كَانَ إِسْرَافِيلُ مُظْهِراً لِرُكْنِ الْحَيَاةِ الْكُلِّيَّةِ بِنَفْخَتِهِ الْمُوجِبَةِ لِحَيَاةِ الْخَلْقِ، لِأَنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ النُّورُ الْمُشْرِقُ عَنْ ضِيَاءِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْقُوَّةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي لَهَا حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِي عَالَمِ الْأَكْوَانُ الْمُشَرِقَةُ مِنْ نُورِ الْقَلْبِ الَّذِي وَسِعَ الْحَقَّ تَعَالَى، وَلِهَذَا السِّرِّ الْجَلِيلِ كَانَ إِسْرَافِيلُ الْقُدْرَةِ فِي إِحْيَاءِ الْخَلْقِ بِنَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمَاتَتِهِمْ بِنَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا لِأَنَّهُ صَاحِبُ الصُّوَرِ وَالنَّفْخِ، وَلَهُ بِنَفْخَتِهِ جِهَتَانِ وَحَكْمَانِ فَمَنْ نَفَخَتْهُ الْأُولَى: كَانَ مَبْدَأُ قِيَامِ النَّشْأَةِ الْأُولَى الَّتِي قَامَ بِهَا عِلْمُ الظَّاهِرِ وَأَحْكَامُ الشَّرَائِعِ وَمِنْ نَفَخَتْهُ الثَّانِيَةِ: كَانَ ظُهُورُ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي قَامَ بِهَا عِلْمُ الْبَاطِنِ، وَالْبَاطِنُ سِرٌّ فَمَنْ أَذَاعَهُ فَقَدْ أَشْرَكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ مُتَعَلِّقٌ بِالصُّوَرِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَادَّةِ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْعِلْمِ هُوَ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ الَّتِي تَكْمُنُ بِهَا هَذِهِ الْأَسْرَارُ، لِأَنَّ النَّفْسَ هِيَ الْحَامِلَةُ لِأَسْرَارِ تِلْكَ الظُّهُورَاتِ وَمَا يَظْهَرُ عَنْهَا مِنْ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ لِأَنَّ النَّفْسَ هِيَ الْحَامِلَةُ لِسِرِّ هَذِهِ الْأَكْوَانِ الَّتِي عُمِّرَتْ بِهَا الْأَبْدَانُ وَلَهَا فِي وُجُودِهَا وَظُهُورِهَا صِفَتَيْنِ، صِفَةٌ رُوحَانِيَّةٌ عَلَوِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَصِفَةٌ حِسِّيَّةٌ جُسْمَانِيَّةٌ وَهِيَ الْبَرْزَخُ الْقَائِمُ بَيْنَ صِفَتَيْ الْوُجُوبِ وَالِامْكَانِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا صِفَةُ الْوُجُوبِ لِأَنَّ جَوْهَرَهَا جَوْهَرٌ سَمَاوِيٌّ وَعَالَمُهَا عَالِمٌ رُوحَانِيٌّ، وَأَمَّا صِفَةُ الِامْكَانِ الَّتِي تَتَّصِفُ بِهَا النَّفْسُ فَهِيَ مِنْ حَيْثُ صِفَاتُهَا الْمُؤَثِّرَةُ فِي عَالَمِ الْأَكْوَانِ.




