فَالْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ الْمَحْسُوسَةُ فَانِيَةٌ زَائِلَةٌ لَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا بِوُجُودِ النَّفْسِ وَالْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِالْقُوَى الْفَائِضَةِ عَنْ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ هِيَ الدَّائِمَةُ الْبَاقِيَةُ الَّتِي لَا يَجْرِي عَلَيْهَا الْفِنَاءُ وَالزَّوَالُ لِأَنَّهَا أَنْوَارٌ وَضِيَاءٌ وَإِشْرَاقَاتٌ فَائِضَةٌ عَنْ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْمَوْتِ هُوَ مَوْتُ الْجَسَدِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي تَعْقُبُهُ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ، لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ إِلَّا بِمَوْتٍ وَلَا مَوْتٌ إِلَّا بِحَيَاةٍ أَيْ لَا بَقَاءَ إِلَّا بِفِنَاءٍ، وَلَا فِنَاءٍ إِلَّا بِبَقَاءٍ، وَحَقِيقَةُ هَذَا الْمَوْتِ عِنْدَ أَهْلِ الْكَشْفِ هُوَ الْفَنَاءُ الْكَامِلُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَذَلِكَ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ عَنْ جَمِيعِ عَلَائِقِهَا الْبَدَنِيَّةِ وَمُشْتَهَيَاتِهَا النَّفْسَانِيَّةِ وَعَنْ جَمِيعِ مَا فِي هَذَا الدَّارِ بِحَيْثُ لَا يُرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالُهُ وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ بِقَوْلِهِ: رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ النَّفْسِ.
وَهَذَا هُوَ الْبَقَاءُ بَعْدَ الْفَنَاءِ وَالْفِنَاءُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْبَقَاءُ لِأَنَّ الْحَيَاةَ الْحِقَّةَ الدَّائِمَةَ الْأَبَدِيَّةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَذَا الْمَوْتِ الَّتِي هِيَ حَيَاةُ الْأَرْوَاحِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِالدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ عَالِمُ الْخُلْدِ وَالْبَقَاءُ، وَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا هِيَ حَيَاةُ الْأَجْسَادِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِالْفِنَاءِ وَالزَّوَالِ.




