يَرَى صَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ السَّامِيَةِ حَضْرَةَ الْحَقِّ تَعَالَى ظَاهِراً دَائِماً أَبَداً، لِأَنَّ الْعِلْمَ يُؤَدّي إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَالرُّؤْيَةِ إِلَى الْمُعَايَنَةِ، وَالْمُعَايَنَةِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ الدَّائِمَةِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَارَ اللَّهُ بَصِيرَتَكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَوَاهِبُ اللَّدَنِيَّةُ الْقُدْسِيَّةِ تُضَافُ إِلَى بَعْضِهَا الْبَعْضُ مِنْ حَيْثُ الْمَدَدُ الْمُشْرِقُ مِنْ فَيْضٍ يَنْبُوعُ حِكْمَةُ قَلَمِ الْوُجُودِ كَإِضَافَةِ الْحَجُبِ الثَّلَاثَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ وَهُمْ حِجَابٌ وَاحِدٌ. لِقَوْلِ بَعْضِ الْمُوَحِّدِينَ:
ثَلَاثَةٌ بَاطِنُهُمْ وَاحِدٌ | وَبَاطِنُ الْبَاطِنِ لِلْمَعْنَوِيِّ |
إِذَنْ فَإِسْرَافِيلُ هُوَ مُظْهِرٌ لِرُكْنِ الْحَيَاةِ الْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الصُّوَرِ وَالنَّفْخَةِ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الْمَرَاتِبِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمَرَاتِبُ السَّامِيَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ وَمَعَالِمِهِمْ خَلْقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْأَنْوَارَ الْإِلَهِيَّةَ وَأَمَدَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَخَلَقَ الْعَالِمَ الْمَمْزُوجَ بِالطِّينَتَيْنِ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ نُورِهِ وَأَمَدَّهُ بِرَحْمَتِهِ لِيَفْهَمَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ مِنَ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ النَّفْخَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ سِرُّ إِشْرَاقِ نُورِ تِلْكَ الْمَعَارِفِ عَلَى النَّفْسُ النَّاطِقَةُ لِتَنْتَعِشَ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْحَيَاةِ، فَكَانَ مِنْ هَذِهِ




