وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ قَوْلُهُ: أَصْدَقُ كَلِمَةً قَالَتْهَا الْعَرَبُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ. وَالْبَاطِلُ عَدَمٌ وَالْوُجُودُ كَلِمَةُ حَقٍّ، إِذْ الْعَدَمُ وَالْوُجُودُ نَقِيضَانِ وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَالْمَعْنَى هُوَ الْقَادِرُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ لَا فِي أَرْضِهِ وَلَا فِي سَمَائِهِ.
فَانْظُرْ يَا أَخِي إِلَى ذَلِكَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لِتَعْلَمَ حَقِيقَةَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْيَقِينِ وَالْبَصِيرَةِ وَعَرَفَ اللَّهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لِعِلْمِ عِلْمِ الْيَقِينِ أَنْ لَا وُجُودَ لِعِبَادِهِ وَلَا لِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ إِلَّا بِوُجُودِهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْكُلَّ مَوْجُودٌ بِقُدْرَتِهِ فَلَا وُجُودَ لِلْأَشْيَاءِ إِلَّا مِنْهُ وَلَا قِيَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا نِسْبَةَ لَهَا مَعَهُ قَطْعاً إِذْ هِيَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَهُوَ وُجُودُ حَقٍّ، وَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَالْوُجُودُ هُوَ الْحَقُّ تَعَالَى، وَالْعَدَمُ هُوَ الْمَخْلُوقِ عَالِمُ الزَّوَالِ وَالْفِنَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ انْقَطَعَ الْمَدَدُ الْإِلَهِيُّ لَحْظَةً وَاحِدَةً لَفُنِيَتْ الْكَائِنَاتُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
لِقَوْلِ ابْنِ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَا مُتَحَرِّكَ وَلَا سَاكِنَ إِلَّا عَنْ قُوَّةٍ بَابِيَةٍ وَجَلَالَةٍ حِجَابِيَّةٍ ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ الْأَسْبَابُ لِتَصْعَدَ بِهِ إِلَى الْمَقَامِ الرَّابِعِ وَهُوَ مَقَامُ الْأَبْرَارِ وَمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَقَامَاتِ وَأَجَلُهَا، وَبِهِ كَمَالُ سَلْطَنَةٌ عِلْمُ الْبَاطِنِ وَهِيَ مَرْتَبَةُ الْمُخَاطَبَةِ الْكَامِنَةِ فِي سِرِّ النَّفْخَةِ الرَّابِعَةِ، الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ نَضُرُّ اللَّهُ وَجْهَهُ بِالْعِلْمِ اللُّدَنِيِّ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلْمِ




