فَكَانَ مِنْ هَذِهِ النَّفَخَاتِ الثَّلَاثِ قِيَامُ صُوَرِ الْمَوْجُودَاتِ وَوُجُودُ "السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ" وَلِهَذِهِ النَّفَخَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرَاحِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الطَّالِبُ عِنْدَ سَمَاعِهِ السِّرَّ، لِأَنَّ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ السَّمَاعِ نَفْخَةً وَلَهُ نَفْخَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْحَلَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي هِيَ سِرُّ السِّرِّ، وَبُسْرُ هَذَا النَّفْخِ تَرَتَّبَتْ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَيْنَ الْفِرَاسَةِ وَالْمُكَاشَفَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ حَيْثُ كَانَ مِنْ النَّفْخَةِ الْأُولَى سِرُّ الْفِرَاسَةِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نُورِ الْوَحْيِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ الْمُشْرِقِ عَلَى الْقَلْبِ وَفِيهِ يَقُومُ الْإِيمَانُ وَتَسْتَضِيءُ الْقُلُوبُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَذَلِكَ بِزَوَالِ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ وَالْوَهْمِ وَالظَّنِّ، ثُمَّ يَصْعَدُ بِهِ النَّفْخُ إِلَى أَنْ يُرْقِيَهُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الْمُكَاشَفَةُ وَهِيَ أَجَلٌ وَأَسْمَى مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا دَرَجَةُ الْمُسْتَبْصِرِينَ الْمُكَاشِفِينَ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِنُورِ الْعَقْلِ عَلَى نَفْيِ مَا فِي حُكْمِ الْحِسِّ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ وَهِيَ دَرَجَةٌ سَامِيَةٌ لَا تُنَالُ إِلَّا بِحُسْنِ الْأَعْمَالِ وَصَدْقَ الْأَقْوَالَ ثُمَّ يَصْعَدُ بِهِ النَّفْخُ إِلَى أَنْ يُرْقِيَهُ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَهِيَ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَقَامٌ جَلِيلٌ حَيْثُ تَتَجَلَّى لَهُ الْحَضْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَيَرَى بَوَارِقَ الْأَنْوَارِ تَتَجَلَّى عَلَى بَصِيرَتِهِ فَيَغِيبُ عَنْ حُبِّهِ لَدَى اسْتِغْرَاقِهِ فِي مُشَاهَدَةِ الْجَمَالِ الْمُطْلَقِ فَلَا يُرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ وَآيَاتِهِ.




