وَبَابُ الْقَلْبِ: فِيهِ سِرُّ الْقُدْرَةِ وَالْقُدْرَةُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْوُجُودِ وَحَقِيقَتُهُ، لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَيْنُ ذَاتِهِ، وَالْقُدْرَةُ صِفَةُ الْقَادِرِ وَهِيَ الَّتِي تَخْتَرِعُ الْأَشْيَاءَ وَتُبْدِيهَا مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى عَالِمِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهَا قُدْرَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَا تَكُونُ إِلَّا للَّهُ وَحْدَهُ لَا يُشَارِكُهُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّهُ الْقَدِيرُ وَالْقَوِيُّ الْمُطْلَقُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ لَا فِي أَرْضِهِ وَلَا فِي سَمَائِهِ، وَهُوَ تَعَالَى يُثْبِتُهَا فِيمَنْ يَشَاءُ وَيَهَبُهَا لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَيَفْعَلُ بِإِفَاضَةِ الْقُدْرَةِ لَدَيْهِ "مَا" لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ، فَإِذَا أَنَسَ أَيْ عَبْدٌ مِنْ نَفْسِهِ قُدْرَةً "مَا" فَيَكُونُ الْحَقُّ تَعَالَى هُوَ الْوَاهِبُ لَهُ تِلْكَ الْقُدْرَةَ لِأَنَّهُ صَاحِبُهَا وَمَالِكُهَا يُظْهِرُهَا فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَالْعَارِفُ يُدْرِكُ أَنَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ لَهُ بَلْ هِيَ للَّهُ وَحْدَهُ وَهُوَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ بِهَا فَإِذَا أَظْهَرَ مِنْ تِلْكَ الْقُدْرَةِ الَّتِي مَنَحَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِعْلاً "مَا" وَتَحَدَّثَ بِهِ بِمَا يَغْرِبُ عَلَى عُقُولِ الضُّعَفَاءِ وَيَصْعُبُ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقُ ذَلِكَ وَحَمْلُهُ كَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ أَوْ الْفِرَاسَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ أَوْ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَةٍ كَرَّمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَنْ تَصَرَّفَ بِذَلِكَ وَعُرِفَ مَنْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَمِنْ الْمُتَصَرِّفِ بِهِ وَبِأَيِّ مَعْنَى نَسَبَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ، وَهَذَا التَّصَرُّفُ إِلَى نَفْسِهِ وَكَيْفَ وُهِبَتْ لَهُ، وَأَدْرَكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّهُ مُجَرَّدُ صُورَةٍ حِسِّيَّةٍ خَيَالِيَّةٍ فَانِيَةٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي ذَاتِهَا، كَانَ الْعَارِفُ الْمُوَحَّدُ الَّذِي عَرَفَ أَسْرَارَ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، وَعَرَفَ الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْأَسْمَائِيَّةِ وَانْجَلَى لَهُ عَالِمُ الصَّفَاءِ مِنْ عَالِمِ الْكَدَرِ.




