وَسَمَّى ذَلِكَ النُّورُ الْفَائِضَ مِنْ فَيْضِ الْوُجُودِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ، الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالْعَقْلِ وَالرُّوحِ وَالْقَلْبِ، وَهَذَا فِعْلُ الْأَمْرِ النَّاطِقِ بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي أَقَامَ بِهِ صُوَرَ الْمَوْجُودَاتِ وَمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ دَقَائِقِ الْأَسْرَارِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الْعَقْلَ بِنُورِ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَظْهَرَ الرُّوحَ بِنُورِ الْمُخَاطَبَةِ، وَأَظْهَرَ الْقَلْبَ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ هُوَ الْيَقِينُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يُدَاخِلُهُ شَكٌّ وَلَا رَيْبَ وَهُوَ إِيمَانُ الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ الْمُطَهَّرَةِ مِنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ وَتَلَوُّثَاتِهَا، لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الْبَاطِنَةَ لَيْسَ لَهَا دَلِيلٌ إِلَّا النَّظَرُ الْقَلْبِيُّ الْعَارِي عَنْ الْحَدَقَةِ وَالْأَجْفَانِ لِأَنَّ النَّظَرَ الْحِسِّيَّ قَاصِرٌ وَعَاجِزٌ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْبَوَاطِنِ وَحَقَائِقِ الْأَسْرَارِ، لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِنَظَرِهِ وَمَحْدُودٌ بِرُؤْيَتِهِ، لَا يَرَى الْأَشْيَاءَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ ظَوَاهِرُهَا وَتَلَوُّنَاتُهَا الْمُخْتَلِفَةُ لَا مِنْ حَيْثُ بَوَاطِنُهَا، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ بِذَلِكَ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ هُوَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ إِيمَانَ الْعَقْلِ بِالْعِلْمِ، وَكَمَالَ الْعِلْمِ بِالْمَعْرِفَةِ، وَإِيمَانَ الرُّوحِ بِالْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، لِأَنَّ أَخَصَّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى شُهُودٍ وَعِيَانٍ غَنِيَّةٍ عَنْ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ وَإِيمَانِ النُّفُوسِ بِالتَّحْقِيقِ وَالتَّصْدِيقِ وَإِيمَانِ الْقُلُوبِ بِالْإِخْلَاصِ بِزَوَالِ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ، وَإِيمَانِ الْأَجْسَامِ بِالْأَفْعَالِ الطَّاهِرَةِ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْبَدَنِ هِيَ بِالْخُشُوعِ حَتَّى يَرِقَّ وَيَلْطِفَ كَثِيفُهُ وَيَبْدُو لِطِيفِهِ.




