وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأَسْرَارِ تُشْرِقُ عَلَى الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ رُوحِ الْإِيمَانِ وَرُوحِ الْحَيَاةِ وَرُوحِ الْقُدْسِ فَأَوَّلُ مَرَاتِبِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ هُوَ الْإِيمَانُ الْمُشْرِقُ عَلَى الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ رُوحِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَرْكَزُهُ الْقَلْبُ وَالْقَلْبُ هُوَ الْعَرْشُ الَّذِي تَكْمُنُ فِيهِ هَذِهِ الْأَسْرَارُ وَهُوَ بَيْتُ الرُّوحِ وَالْإِيمَانِ هُوَ إِيمَانُ الْقَلْبِ بِمَا يُوحِي إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَهُوَ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَوَّلُ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَشْفِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالنَّظَرِ الْقَلْبِيِّ يَصْعَدُ بِأَجْنِحَةِ الْقُدْرَةِ وَيَسْرَحُ فِي فَضَاءِ النُّورِ وَيُسَبِّحُ فِي بِحَارِ الْقُدْرَةِ، حَيْثُ يَرَى بِبَصِيرَتِهِ مَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ مِنْ حَقَائِقِ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَدَدُ الثَّانِي مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ الَّذِي بِهِ ثُبُوتُ الْإِيمَانِ وَالْبَصِيرَةِ وَبِهِ تَظْهَرُ أَنْوَارُ الْحُكْمِ وَلَطَائِفُ الْأَسْرَارِ وَهُوَ وَحْيُ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ وَوَحْيُ الْإِلْهَامِ لِعِبَادِهِ الْمُقَرَّبِينَ الَّذِي يُلْقِيهِ اللَّهُ عَلَى الْقُلُوبِ بِوَاسِطَةِ رُوحِ الْحَيَاةِ وَمِنْ ثَمَّ تُشْرِقُ عَلَيْهِ بَوَارِقُ الْأَنْوَارِ وَتَتَجَلَّى لَهُ مَعَالِمُ تِلْكَ الْأَسْرَارِ مِنَ الْفَيْضِ الثَّالِثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِرُوحِ الْقُدْسِ، وَهُوَ النُّورُ الْأَقْدَسُ وَفَيْضُ الْوُجُودِ الْأَوَّلِ الْمُشْرِقِ بِظُهُورِهِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ وَهُوَ السِّرُّ السَّارِي وَالْفَيْضُ الْجَارِي وَالنُّورُ الْبَادِي بِحَقَائِقِ نُورِ الْأَبْصَارِ وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْحَقَائِقِ الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْمَدَارِكِ الْمَحْسُوسَةِ لِأَنَّ الْحِسِّيَّاتِ مَعَابِرُ إِلَى الْعَقْلِيَّاتِ وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَمَظْهِرٌ مِنْ مَظَاهِرِهِ، أَشَارَ لِذَلِكَ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ




