فَسُبْحَانَ مَنْ دَلّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ، وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ خَلَقَ الْأَرْضَ وَجَعَلَهَا خَزَائِنَ نِعْمَتِهِ، وَخَلْقَ الْأَرْوَاحِ وَجَعَلَهَا مُسْتَقَرَّ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَالْأَرْضُ هِيَ الْأَجْسَادُ الطَّاهِرَةُ الْقَائِمَةُ مَا بَيْنَ لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ.
لِقَوْلِ الْأَمِيرِ حَسَنٍ قَدَّسَهُ اللَّهُ: إِنَّ أَجْسَادَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِزَاجِ هِيَ الْأَرْضُ وَإِلَيْهَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(1)
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّطِيفَ جَوْهَرٌ وَجَبَ لَهُ وُجُوبٌ، وَوُجُوبُهُ وُجُودُهُ وَإِثْبَاتُهُ بِالْكَثِيفِ وَالْكَثِيفُ مَفْقُودٌ وَزَائِلٌ مُتَجَزِّيءٌ بِالْأَعْرَاضِ وَهُوَ صُورَةٌ مُحْدَثَةٌ وَاللَّطِيفُ قَائِمٌ بِهَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ مِنْ نَفْسٍ رُوحَانِيَّةٍ وَجَسَدٌ جُسْمَانِيٌّ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ فِي الصِّفَاتِ وَمُتَضَادَّانِ فِي الْأَفْعَالِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْجِسْمِ جُنُودٌ وَأَعْوَانٌ، فَالنَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالْعَالَمِ النُّورَانِيِّ لِأَنَّ جَوْهَرَهَا جَوْهَرٌ سَمَاوِيٌّ وَعَالَمُهَا عَالِمٌ رُوحَانِيٌّ مَدَدُهَا مِنْ الْكَوْنِ السَّابِعِ الَّذِي هُوَ قُدْسُ الْمَعْرِفَةِ، وَلَهَا فِي هَذَا الْجَسَدِ أَشْخَاصٌ أَرْبَعَةٌ أَصْلُهَا مِنَ اللَّطِيفِ الصَّمَدَانِيِّ وَهُمْ: "الْحَرَارَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالْيُبُوسَةُ" وَأَشْخَاصُهَا تَتَعَلَّقُ بِعَالَمِهَا




