وَاعْلَمْ إِنَّ لِلظِّلِّ مَعَانِيَ كَثِيرَةً وَمِنْهَا الظِّلُّ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَيْنٍ ظَهَرَتْ بِنُورِهِ تَعَالَى وَالْأَنْوَارُ الْمُجَرَّدَةُ ذَوَاتُ ظِلَالٍ لِمَا فَوْقَهَا وَالنُّفُوسُ ظِلَالُ الْعُقُولِ وَعَالِمُ الْمُلْكِ ظِلٌّ لِعَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الظِّلَّ هُوَ الْمَظْهَرُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَظَاهِرِ الذَّاتِيَّةِ الْمُتَجَلِّيَةِ بِأُفُقٍ أَوْجَ الْكَمَالِ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى النَّظْرَةِ الظَّلِيَّةِ الْمُشْرِقَةِ عَنْ النَّظْرَةِ الضِّيَائِيَّةِ، وَهِيَ غَايَةُ الطَّالِبِينَ وَسِدْرَةُ الْمُنْتَهَى الَّتِي تَنْتَهِي عِنْدَهَا مَعْرِفَةُ الْعَارِفِينَ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الْأَسْرَارِ وَمَحَطُّ رِحَالِ الْعَارِفِينَ الْأَبْرَارِ، لِأَنَّ الظِّلَّ هُوَ الْمَظْهَرُ الْحَاوِي لِأَسْرَارِ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ لِأَنَّهُ النُّورُ الْمُتَّصِلُ بِالْوُجُودِ الْبَادِي مِنْ ضِيَاءِ النُّورِ، وَبِهَذَا الْمَظْهَرِ أَوْرَى الْعَجْزَ وَبِهِ دَلَّ عَلَى جَوْهَرِ الْكَنْزِ حَيْثُ أَنَّهُ مِنْ الْعَجْزِ الْخَطِيرِ دَلَّ عَلَى مُعْجِزِهِ الْبَهِيرِ وَمِنْ ضِيَائِهِ الْبَاهِرِ دَلّ عَلَى نُورِهِ الْقَاهِرِ وَبِعَجْزِهِ دَلَّ عَلَى عَيْنِ مُعْجِزِهِ، لِذَا قِيلَ أَنَّ الْعَجْزَ مِنْ الْقَادِرِ قُدْرَةٌ.
وَبِهَذَا نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الضِّيَاءَ الْبَادِيَ مِنْ الْمَظْهَرِ الْظَلِي هُوَ الْمُعَاجِزُ الظَّاهِرَةُ وَالْقَدْرُ الْبَاهِرَةُ الَّتِي يُبْدِيهَا لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمَانِ وَالدُّهُورِ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلظِلِّ وُجُوداً مَرْئِيّاً غَيْرَ وُجُودِ الْعَيْنِ الذَّاتِيَّةِ ذَاتِ النُّورِ الْبَاهِرِ وَالظِّلِّ النَّائِرِ مِيمُ الْمَشِيئَةِ، وَقَافُ الْقُدْرَةِ جِيمُ الْجَمَالِ وَسِرُّ الْجَلَالِ الْمُتَجَلِّي بِهَا بِأُفُقٍ أَوْجَ عَيْنِ الْكَمَالِ الَّتِي امْتَدَّ مِنْهَا الظِّلُّ ذَاتُ الْأَصْلِ الثَّابِتِ وَالْفَرْعُ الْبَاسِقُ، شَجَرَةُ النُّورِ، وَزَيْتُونَةُ الظُّهُورِ، وَعَنْهَا ظَهَرَتْ الْأَسْمَاءُ




