وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مِنْ لُطْفِهِ فِي بِرِيَّتِهِ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ وَتَجَلَّى لَهَا كَصِفَاتِهَا وَأَشْكَالِهَا لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَمَنْحَهُمُ اسْتِطَاعَةً لِقَبُولِ مَا يُرَدُّ مِنْهُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا أَنْعَمَ الْبَارِي عَلَيْنَا بِوُجُودِهِ أَنَجْعَلُهُ مِنْ جِنْسِ خَلْقِهِ وَنَحْصُرُهُ فِي الْأَبْدَانِ؟ وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ فِي الْأَبْدَانِ هِيَ عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ، وَلَا نَقُولُ أَنَّهُ غَيْرُ مَا رَأَيْنَاهُ فَنُبْطِلُ وُجُودُهُ تَعَالَى اللَّهُ عُلُوّاً كَبِيراً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ❁ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾(1)
فَالظِّلُّ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الصُّورَةِ الْمَعْقُولَةِ الَّتِي تَتَجَلَّى بِهَا الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ فِي الْعِيَانِ الْوَاقِعَةِ تَحْتَ حِسّ الْبَصَرِ وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ لِعَالِمِ الْبَشَرِ مِنَ الْهَاءِ إِلَى الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِذَاتِهِ وَلَا إِدْرَاكَ لِصِفَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْوُجُودِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الصِّفَةِ وَالصِّفَةِ لَابُدَّ لَهَا مِنْ صُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا وَتُوجَدُ مِنْهَا لِتَظْهَرَ مِنْهَا صِفَاتُهُ وَتُعْرَفُ بِهَا أَسْمَاؤُهُ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْحَقِّ إِلَى الظِّلِّ هِيَ نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتُ هِيَ نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَلَيْسَتْ نِسْبَةً حَقِيقِيَّةً، جَلَّ اللَّهُ عَنْ كُلِّ اسْمٍ، وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ صِفَةٍ.




