الْبَابُ الرَّابِعُ
يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ الْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ
اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَارِ اللَّهُ بُرْهَانَكَ إِنَّ الْبَحْثَ فِي الْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ دَقِيقٌ وَخَطِيرٌ، حَيْثُ بِهِ تَرَتَّبَتْ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ وَبِهِ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهُمْ وَعُرِفَتْ مَنَازِلُهُمْ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ وَالتَّنْزِيهَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ الْمُوَحِّدِينَ هُمَا صِفَتَانِ للَّهُ تَعَالَى يُشِيرَانِ إِلَى الْوُجُوبِ وَالْوُجُودِ لِذَاتِ الْمُتَجَلِّي بِالصِّفَاتِ الَّتِي مَاثَلَ بِهَا عَالِمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَآنَسُهُمْ فِيهَا إِثْبَاتاً لِلْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، وَبِالْقُدْرَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ الْمُتَعَالِيَةُ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ وَتَحْدِيدٍ، لِذَا كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ فِي بُطُونِهِ وَالْبَاطِنُ فِي ظُهُورِهِ، لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ وَالتَّنْزِيهَ مِنْ الصِّفَاتِ وَعَنْ الصِّفَاتِ فَالْإِثْبَاتُ مِنْ الصِّفَاتِ هُوَ إِثْبَاتُ الْوُجُودِ وَالظُّهُورُ لِلذَّاتِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُتَجَلِّيَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ الصِّفَاتِ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ صُورَةٍ مَدْرُوكَةٍ وَصِفَةٍ مَحْدُودَةٍ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ لَا تُقَيّدَ الْبَارِيَ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَحْدُودَةٍ تُحِيطُ بِهَا الْجِهَاتُ السِّتُّ فَتُقِرُّ لَهُ بِهَا وَتُنْكِرُ وُجُودَهُ فِي غَيْرِهَا وَتَخَلِّيهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَمَاكِنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَصْراً وَإِدْرَاكاً وَتَقْيِيداً، وَهُوَ تَعَالَى الْحَاضِرُ الْمَوْجُودُ فِي كُلِّ مَكَانٍ الْمَشْهُودُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا يَغِيبُ عَنْ




