وَجَعَلَ الْمِيمِ صِفَةَ الْعِلْمِ وَالسِّينِ صِفَةَ الْقُدْرَةِ لِيَكُونَ أَمْرُهُ وَإِرَادَتُهُ جَارِيَيْنِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، وَصَارَ الْعِلْمُ هُوَ الْوَاحِدُ وَالْقُدْرَةُ الْوَحْدَانِيَّةُ وَالْغَايَةُ الْعُلْيَا الْأَحَدَ، فَكَمُلَتْ دَائِرَةُ الْحَقَائِقِ بِنُفُوذِ أَحْكَامِ الْأَحَدِ فِي الْوَاحِدِ وَالْوَحْدَانِيِّ، كَالْمَاءِ الْمُتَمَوِّجِ يُخْبِرُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ عَنْ الْمَاءِ وَعَنْ أَشْخَاصِ الْمَوْجِ وَعَنْ الْحَرَكَةِ وَهُوَ فِي ذَاتِهِ مَاءٌ لَمْ تُحْدِثْ الْحَرَكَةُ فِيهِ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانٌ.
وَبِهَذَا نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ أَوَّلُ حَقِيقَةِ مَرَاتِبِ الْإِبْدَاعِ وَالْكُرْسِيِّ هُوَ أَوَّلُ حَقِيقَةِ عَالِمِ الِاخْتِرَاعِ وَهِيَ الْإِبْدَاعُ الثَّانِي الْمُشْرِقُ عَنِ النُّورِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ الْعَظِيمُ، لِأَنَّ الْعَرْشَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَلْفِ الْأَوَّلِ الَّذِي يُظْهِرُهُ سِرُّ الْعَدَدِ الْكَامِنِ فِي مَرَاتِبِ الْعَشَرَاتِ وَالْكُرْسِيُّ هِيَ الْأَلِفُ الثَّانِي الَّذِي يُظْهِرُهُ سِرُّ الْعَدَدِ الْكَامِنُ فِي مَرَاتِبِ الْمِئَاتِ، وَالْأَلِفُ الثَّالِثُ الَّذِي يُظْهِرُهُ سِرُّ الْعَدَدِ الْكَامِنُ فِي مَرَاتِبِ الْأُلُوفِ هُوَ الْفُؤَادُ، وَالنُّقْطَةُ هِيَ هُمْ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَتَجَلِّيهَا فِي الْعَدَدِ، ذَاتٌ، وَظُهُورُهَا فِي الْحُرُوفِ صِفَاتٌ.
وَبِهَذَا نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الذَّاتَ لَا تَظْهَرُ إِلَّا بِالذَّاتِ وَلَا يُشَارُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَظُهُورُهَا بِالْأَعْدَادِ قُدْرَةٌ وَنُطْقُهَا فِي الْحُرُوفِ حِكْمَةٌ فَالنُّقْطَةُ الْبَادِيَةُ فِي الْأَعْدَادِ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الذَّاتِ، وَفِي الْحُرُوفِ هِيَ الْأَلِفُ




