وَبِهَذَا نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ هِيَ الْحِجَابُ الَّذِي احْتَجَبَ اللَّهُ بِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا صُورَةَ لَهُ، لَمْ تُقَيِّدْهُ صُورَةٌ قَطُّ، حَيْثُ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ لِأَنَّهُ مُطْلَقُ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، فَالصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ هِيَ الْغَايَةُ الْكُلِّيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْمُتَجَلِّي بِهَا، لَا مِنْ حَيْثُ الْإِحَاطَةُ وَالْحَصْرُ أَوْ إِثْبَاتُ التَّصْوِيرِ عَلَى الذَّاتِ تَعَالَى اللَّهُ عُلُوّاً كَبِيراً، لِأَنَّ ظُهُورَاتِهِ تَعَالَى ذَاتِيَّةٌ أَنْزَعِيَّةٌ وَعَنْهَا أَسْفَرَتْ الْحَجْبَ النُّورِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ "بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالظِّلِّ" وَعَنْ هَذِهِ الْحَجُبِ النُّورِيَّةِ وَالصِّفَاتُ الْقُدْسِيَّةِ فَاضَتْ جَمِيعُ الصُّوَرِ وَبَدَتْ كُلُّ الصِّفَاتِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْحَقُّ عَنْ الْخَلْقِ "كَالْقَدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ" .
لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَالَى قَدِيمٌ لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَلَا نِهَايَةَ لِظُهُورِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ لِأَنَّ النُّورَ الْأَوَّلَ هُوَ الْحِجَابُ الْأَعْلَى الْمُشْرِقُ مِنْ سُكُونِ الْمَعْنَوِيَّةِ الْبَادِي بِالنَّوَامِي الْفَيْضِيَّةِ نُورُ الْوُجُودِ وَذَاتِ الْمَعْبُودِ وَهُوَ النُّورُ الَّذِي احْتَجَبَ بِهِ الْأَزَلُ الْقَدِيمُ، وَمِنْ ذَلِكَ النُّورِ أَشْرَقَتْ الصُّورَةُ الْبَدْرِيَّةَ الَّتِي هِيَ الشَّمْسُ الْمُضِيئَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِالضِّيَاءِ الْبَاهِرِ الْبَادِيَةِ بِازْدِيَادِ الْفَيْضِ وَالِازْدِهَارِ وَهُوَ النُّورُ الثَّانِي مِنْ الْحَجُبِ الْأَنْزَعِيَّةِ، الْمُسْفِرُ بِالْفَيُوضَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّذِي احْتَجَبَ بِهِ النُّورُ الْأَوَّلُ، وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا لِعَالَمِ النُّورِ، وَأَقَامَ مِنْ ذَلِكَ الضِّيَاءِ صُورَةَ الظِّلِّ وَهِيَ صُورَةُ الْوُجُودِ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا لِعَالَمِ الْبَشَرِ مِنْ الْهَاءِ إِلَى الْعَيْنِ، وَهِيَ حِجَابُ الضِّيَاءِ كَمَا أَنَّ الضِّيَاءَ حِجَابُ




