وَمِمَّا يَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ حَيْثُ قَالَ: إنَّ حُجُبِي كَثِيرَةٌ وَسَأَخْتَارُ مِنْهَا حِجَابًا لَا يُفَارِقُنِي وَلَا أُفَارِقَهُ فَمَنْ عَبَدَنِي بِهِ مِنْكُمْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَمَنْ عَبَدَنِي بِحُجُبِي كُلِّهَا كَانَ كَافِرًا.
فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحِجَابَ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ هُوَ حِجَابُ النُّورِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، لِأَنَّ الذَّاتَ لَا تَظْهَرُ إِلَّا بِنُورِهَا وَالنُّورُ هُوَ الْقُدْرَةُ وَهُوَ الْحِجَابُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ، وَقَدْ حَذّرَ بَلْ كَفّرَ مِنْ عَبْدِهِ بِغَيْرِ هَذَا الْحِجَابِ، لِأَنَّ مَا دُونَ هَذَا الْحِجَابِ صِفَاتٌ لَا ذَاتٌ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَارِفِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَعْبُودَ بِحَقِيقَةِ الِاسْمِ الْخَاصِّ، وَيَعْرِفَ الصُّورَةَ بِهَيْئَاتِهَا وَانْتِقَالِهَا وَأَنَّهُ لَا تُغَيّرُهُ النَّقْلَةُ وَلَا تَضُرُّ بِهِ الصِّفَةُ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَاتَهُ بِهِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ مَعْرِفَتُهُ بِغَيْرِهِ.
لِقَوْلِ الْمَوْلَى الْبَاقِرِ عَزَّ عِزُّهُ حِينَ سُئِلَ مِنْ أَيْنَ جُهِلَ الرَّبِّ؟ قَالَ: مِنْ جِهَةِ الْحُجُبِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَحَقِيقَةُ الْعِلَّةِ فِي النَّاظِرِ لَا فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ بِقُدْرَتِهِ وَيَنْفِ التَّصْوِيرَ عَنْ الْحَرَكَةِ الْمُتَنَقِّلَةِ بِالْحِجَابِ فَقَدْ زَلَّتْ بِهِ قَدَمُ الثُّبُوتِ وَضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.




