بَلْ مَوْجُودٌ بِوُجُودِ مُوجِدِهِ الَّذِي أَوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، وَهَذَا الَّذِي عَرَفَهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ نَفْسَهُ وَهُوَ سِرّ اللَّهِ السَّارِي فِي جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ وَ بِهِ يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِنْسَاناً.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ الشِّيرَازِيِّ قَدَّسَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ: لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الرَّحْمَنِ، أَيْ فَأَنَّهَا مِمَّنْ يَنْفِسُ اللَّهُ بِهَا عَنْ عِبَادِهِ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْإِلَهِيَّةُ السَّارِيَةُ مِنْ قِلَّةِ الْعَالَمِ الْأَكْبَرِ إِلَى قِلَّةِ الْعَالَمِ الْأَصْغَرِ الْمُتَّصِلَةِ بِنَا الْغَيْرِ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ عَالَمِهَا، لِأَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ هِيَ أَكْبَرُ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُهَا إِلَيْهِمْ وَدَلَائِلُهَا أَوْضَحُ وَبَرَاهِينُهَا أَصَحُّ، وَهِيَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَهِيَ الْهَيْكَلُ الَّذِي بَنَاهُ بِحِكْمَتِهِ، وَهِيَ الْمَجْمُوعُ فِيهَا صُوَرُ الْعَالَمِينَ جَمِيعاً، وَهِيَ الطَّرِيقُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَهِيَ الصِّرَاطُ الْمَمْدُودُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الْأَمِيرِ حَسَنِ بْنِ مَكْزُونٍ قَدَّسَ اللَّهُ الْعَلِيُّ سِرَّهُ الْمَكْنُونُ فِي رِسَالَتِهِ قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ عَالِمٌ صَغِيرٌ نَمُوذَجٌ لِلْعَالَمِ الْكَبِيرِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْعَالَمِينَ شَيْءٌ مِنْ اللَّطِيفِ وَالْكَثِيفِ إِلَّا وَيُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِيهِ وَهُوَ الرُّتْبَةُ الْوُسْطَى الْجَامِعَةُ بَيْنَ رُتْبَتَيْ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ لِمُشَارَكَتِهِ الْحَيَوَانَ بِمِزَاجِ جِسْمِهِ، وَمُشَارَكَتِهِ الْمَلَائِكَةَ بِعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ، وَهُوَ فِي ظَاهِرِ الْبَاطِنِ مَجْمَعُ




