وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ سِرّاً لَمْ يَزَلْ كَامِناً فِي صُدُورِ الْعَارِفِينَ، لَا يَجُوزُ الْكَشْفُ عَنْهُ وَلَا الْإِبَاحَةُ بِهِ صَوْناً عَلَى هَذَا السِّرِّ الْمَكْنُونِ بِخَزَائِنِ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ فِي حَقَائِقِ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَسْرَارَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَيُشَاهِدُهَا مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَطْلَعَهُ عَلَى حَقَائِقِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ حَيْثُ يَرَاهَا مَرْقُومَةٌ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ لِلْحُرُوفِ جِهَتَيْنِ وَحَكَمَيْنِ مِنْهَا حُرُوفٌ مُتَّصِلَةٌ، وَمِنْهَا حُرُوفٌ مُنْفَصِلَةٌ، فَالْحُرُوفُ الْمُتَّصِلَةُ هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي تُكْتَبُ مِنْ الْيَمِينِ إِلَى الشِّمَالِ، وَالْحُرُوفُ الْمُنْفَصِلَةُ هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي تُكْتَبُ مِنْ الشِّمَالِ إِلَى الْيَمِينِ وَذَلِكَ كَالصُّورَةِ الْمُنْعَكِسَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ حَيْثُ نُشَاهِدُ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّ الْيَمِينَ هُوَ الشَّمَالُ، وَالشَّمَالُ هُوَ الْيَمِينُ، أَيْ تُعْطِيكَ نَفْسَ الصُّورَةِ وَلَكِنْ بِصُورَةٍ مَعْكُوسَةٍ وَعَلَيْكَ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، فَالْأَلْفُ هُوَ أَوَّلُ الْحُرُوفِ، وَأَوَّلُ الْأَعْدَادِ فَالْأَعْدَادُ تُشِيرُ إِلَى الْعَالَمِ الْعُلَوِيِّ النُّورَانِيِّ لِأَنَّهَا مِنْ نِسْبَةِ التَّجَلِّيَاتِ وَالْحُرُوفِ تُشِيرُ إِلَى الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ الرُّوحَانِيِّ، لِأَنَّهَا مِنْ نِسْبَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَكِلَاهُمَا مِنْ النُّقْطَةِ وَعَنْ النُّقْطَةِ ظَهْرٌ، لِأَنَّ النُّقْطَةَ هِيَ جَوْهَرُ الْأَلِفِ وَاسَهُ وَعِلَّتُهُ وَأَصْلُ الْوَاحِدِ وَحَقِيقَتُهُ وَالنُّقْطَةُ لَا تَظْهَرُ فِي الْحُرُوفِ وَذَلِكَ لِظُهُورِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْهَا، بَيْنَمَا تَظْهَرُ النُّقْطَةُ فِي الْأَعْدَادِ لِأَنَّهَا مِنْ نِسْبَةِ التَّجَلِّيَاتِ وَلَا يُظْهِرُ النُّقْطَةَ إِلَّا الْعَدَدَ تِسْعَةً.




