تَنْبِيهاً لِذَوِي الْأَذْهَانِ الصَّافِيَةِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْأَحْرُفِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ دَلَالَةٌ عَلَى إِسْعَافِ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ النَّامِيَةِ الْبَاسِقَةِ الْفُرُوعِ فِي السَّمَاءِ الثَّابِتَةِ الْأُصُولِ فِي الْأَرْضِ، الَّتِي تَخَرَّجَ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصُبِغَ لِلْأَكْلَينَ وَهِيَ نَتَائِجُ أَغْصَانِ الصُّورَةِ الْجَامِعَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْمَعَانِي النُّورَانِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْأَبْجَدِيَّةِ، وَاللُّغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ فَيَا لَهَا عِبْرَةً لِمَنْ اعْتُبِرَ فِي كِيَانِ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ مَرْقُومَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَذَلِكَ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ لِمَنْ فَهِمَ الْإِشَارَةَ، وَهَذَا مَا جَاءَ بِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ قَدَّسَهُ اللَّهُ.
فَالْحُرُوفُ هِيَ خِزَانَةُ سِرِّهِ وَمَكْنُونُ عِلْمِهِ وَمِنْهَا تَفَرَّعَتِ الْأَسْمَاءُ وَعَنْهَا ظَهَرَتِ الصِّفَاتُ وَبِهَا عَرَفَتْ الذَّاتَ وَانْفَرَدَتْ عَنْ الذَّوَاتِ، سِرَّهَا الْأَلِفُ وَجَوْهَرُهَا النُّقْطَةُ وَالْأَلِفُ أَصْلُ الْحُرُوفِ وَذَاتُهَا، وَهُوَ الْإِبْدَاعُ الْأَوَّلُ وَمِنْهُ تَرَتَّبَتْ الْمَرَاتِبُ وَعَنْهُ أَشْرَقَتْ الْبَوَاطِنُ وَالظَّوَاهِرُ وَهُوَ الْكَلِمَةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَجَلَّى الْحَقُّ بِهَا لِعَالَمِ الْمَخْلُوقَاتِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّجَلِّي وَالظُّهُورِ وَالظُّهُورُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِصِفَةٍ، وَالصِّفَةُ لَابُدَّ لَهَا مِنْ صُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا إِثْبَاتاً لِلْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ هِيَ حِجَابٌ يَقَعُ عَلَيْهِ الْبَصَرُ لِيَثْبُتَ الْوُجُودُ وَلْيَدُلَّهُمْ بِظُهُورِ الْقُدْرَةِ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن




