وَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: الرُّوحُ لَطِيفَةٌ مِنْ لَطَائِفِ بَارِيهَا أَخْرَجَهَا مِنْ مُلْكِهِ وَأَسْكَنَهَا فِي مُلْكِهِ لِأَنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ جَوْهَرٌ سَمَاوِيٌّ وَعَالَمَهَا عَالَمٌ رُوحَانِيٌّ لَطِيفٌ فَالنَّفْسُ تَسْتَمِدُّ إِشْرَاقَهَا مِنْ الْفَيْضِ الْأَوَّلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالتَّجَلِّي الْوُجُودِيِّ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: هِيَ مَرْتَبَةُ عِلْمِ الْيَقِينِ.
وَالثَّانِيَةُ: عَيْنُ الْيَقِينِ.
وَالثَّالِثَةُ: حَقُّ الْيَقِينِ.
فَعَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَارِفِ فِي تَجَاوُزِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ لِيَرْتَقِيَ إِلَى الْمَقَامِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ حَقِّ الْيَقِينِ، وَهُوَ التَّجَرُّدُ عَنْ جَمِيعِ الْعَلَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْفِنَاءِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْبَقَاءُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ غَيْبُ الْوُجُودِ مَشْهُوداً لَهُ فَيَرَى بِنُورِ الْيَقِينِ مَا غَابَ عَنْ بَصَرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ أَسْرَارِ الْحَقِّ تَعَالَى فَيَطَّلِعُ حِينَئِذٍ عَلَى حَقِيقَةِ نَفْسِهِ، فَيَرَى فِنَاءَهُ تَحْتَ سُلْطَانِ أَنْوَارِ الْحَقِّ تَعَالَى فَيَظْهَرُ لَهُ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ بَعْدَ الْفَنَاءِ، فَإِذَا بَقِيَ مَعَ الْحَقِّ تَعَالَى: تَجَلَّتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْإِلَهِيَّةُ فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ عَرَفَ الْذَاتٌ مِنْ حَيْثُ الْأَسْمَاءُ وَهَذَا حَدُّ




