لَيْسَ بِهَا عَلَامَةٌ وَلَا صِفَةٌ فَارِقَةٌ، أَيْ الرُّبُوبِيَّةُ الْعُظْمَى لَيْسَ بِهَا صِفَاتُ حُدُوثٍ مُتَنَوِّعَةٌ لِأَنَّهَا جَوْهَرٌ زَالَ عَنْهَا الْفَرْقُ وَالْفَوَارِقُ وَالتَّعْدَادُ وَالْكَثْرَةُ لِأَنَّ التَّعْدَادَ وَالْكَثْرَةَ هِيَ مِنْ حَيْثُ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ لَا مِنْ حَيْثُ الْجَوْهَرُ، لِأَنَّ الْجَوْهَرَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ صِفَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ لِأَنَّهُ جُزْءٌ أَصَمُّ لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَجَزَّأُ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ الصِّفَاتُ وَتَعَدَّدَتْ الْمَظَاهِرُ، فَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ وَلَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ وَلَا يُمَازِجُهُ شَيْءٌ وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ، فَمَظَاهِرُهُ لَا تُحْصَى وَآيَاتُهُ لَا تُسْتَقْصَى وَهُوَ الْعَلِيُّ عَمَّا تَرَاهُ الْأَعْيُنُ وَتَصِفُهُ الْأَلْسُنُ، أَظْهَرَ الْأَشْيَاءِ بِقُدْرَتِهِ، وَتَجَلَّى لَهَا بِذَاتِهِ، وَتَرَاءَى بِصِفَاتِهِ، ظَهَرَ بِلَا إِحَاطَةٍ وَسَمًا بِلَا حَدٍّ، ظَهَرَ بِكُلِّيَّةِ الْذَاتٍ وَتَرَاءَى بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ، فَالذَّاتُ لَمْ تَزَلْ بِكَمَالِ أَبَدِيَّتِهَا، وَالصِّفَاتُ زَائِلَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ الْمُفَاضَ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا نِهَايَةُ كُلٍّ يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ وَصَفَاءِ جَوْهَرِيَّتِهِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ أَقُولُ: لَوْلَا هَذِهِ الْحَقَائِقُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ "بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ" لِظِلِّ الْوُجُودِ، سِرًّاً لَمْ يُعْرَفْ وَلَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَغَايَةُ الْخَلْقِ هِيَ أَنْ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي صُورَةٍ تَتَجَلَّى بِهَا صِفَاتُهُ وَتُعْرَفُ بِهَا أَسْمَاؤُهُ.




