لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ عِزُّهُ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ عَالِمٌ صَغِيرٌ وَفِيكَ انْطَوَى مَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ عَلَوَيْهِ وَسُفْلَيْهِ. وَبِهَذَا تُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَالِمِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْعَوَالِمِ الْأُخْرَى مِنْ الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ وَلِذَلِكَ فَمَا فِي هَذَا الْوُجُودِ الْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ وَأَكْمَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَقَدْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُمْ الْحَيَاةَ وَهِيَ فَلَكُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وَسَّعَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَيْثُ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ رَحِمَ اللَّهُ هَذَا الْعَالَمَ.
وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ مِنْ حَيْثُ عَيْنُكَ عَيْنً الظَّلّ وَنُوُّر الظِّلِّ وَنُورُ الْعَيْنِ هُوَ اَلَّذِي تُدْرَكُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ فَلَا تُدْرِكُ النُّورَ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا لِلنُّورِ فِي عَيْنِ ظِلْكَ وَالظِّلُّ فِيهِ رَاحَةُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا طَلَعَ كَوْكَبُ الْحَقِّ وَوَقَعَ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ اسْتَنَارَ الْقَلْبَ بِهِ وَأَضَاءَ فَالتَّجَلِّي الْإِلَهِيُّ دَائِمُ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ لَا حِجَابَ يَحْجُبُهُ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ بِوَاسِطَةِ التَّلْقِينِ الَّذِي لُقِّنَ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَقُّ مَشْهُودًا لَهُ حَيْثُ كَانَ عَلَى عَيْنَيْهِ حِجَابٌ كَثِيفٌ لَا يُدْرَكُ الْمُوجَدُ وَلَا الْوُجُودُ فَعِنْدَمَا أَوْجَدَهُ تَعَالَى انْصَبَغَ بِالنُّورِ فَزَالَ هَذَا الْحِجَابُ الْكَثِيفُ عَنْ عَيْنَيْهِ فَرَأَى الْوُجُودَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ فَأَفَادَهُ هَذَا التَّجَلِّي عِلْمًا وَمَعْرِفَةً بِمَا رَآهُ وَشَاهِدَ ظِلِّهُ الْمُنْبَعِثَ عَنْهُ.




