وَقَالَ أَفْلَاطُونُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ لَمَّا تَجَرَّدُوا عَنْ الدُّنْيَا وَالْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ، وَتَفَرَّدُوا بِالنَّظَرِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ انْكَشَفَ لَهُمْ عِلْمُ الْغَيْبِ وَعَلِمُوا بِمَا يُخْفِيهِ النَّاسُ فِي نُفُوسِهِمْ وَاطَّلَعُوا عَلَى أَسْرَارِ الْخَلْقِ.
فَمَنْ زَجَّ سَفِينَةَ النَّجَاةِ فِي أَبْحَرِ التَّفْكِيرِ وَقَرَعَ أَبْوَابَ خَزَائِنِ الْأَسْرَارِ فَحِينَئِذٍ تَتَجَلَّى لَهُ غَيَاهِبُ الْأَنْوَارِ بِمُشَاهَدَةِ حَقِيقَةِ الذَّاتِ عَارِيَةً عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَإِثْبَاتُهَا نَفْيٌ، وَنَفْيُهَا إِثْبَاتٌ فَالنَّفْيُ أَنْ تَنْفِيَ عَنْهَا التَّخَاطِيطَ وَالصُّوَرَ، وَمَعْرِفَةُ عِرْفَانِ مَا ظَهَرَ بِإِثْبَاتِ الْمُعَاجِزِ وَالْقَدْرِ فَفِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ أَسْرَارٌ ظَوَاهِرُهَا أَنْوَارٌ وَمِنْهَا يَكُونُ التَّرَقِّي إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ بِدَرَجَاتِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ لِأَسْرَارِ هَذِهِ الظُّهُورَاتِ فَالْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهُ بِالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ "الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةُ" يُقَالُ لَهُ حَقٌّ، وَمِنْ حَيْثُ إِمْكَانُهُ يُقَالُ لَهُ خَلْقٌ فَلَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مَنْ هُوَ أَبْدَعُ وَأَجَلُّ مِنْ عَالِمِ الْمُؤْمِنِ الْجَامِعِ لْأَسْرَارُ هَذَا الْوُجُودُ وَلَمْ يَسْعَ الْحَقَّ سِوَاهُ.




