التَّنْزِيهِ وَبُطْلَانَ التَّشْبِيهِ وَقَالَ: عَجَبًا كَيْفَ يُعْرَفُ بِالْمَعَارِفِ مَنْ بِهِ عُرِفْتْ الْمَعَارِفُ وَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ بِغَيْرِ ذَاتِهِ وَيَحْتَاجَ إِلَى مَنْ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ وَقَالَ: لَا يَصِلُ الطَّالِبُ إِلَى هَذِهِ الْمَعَانِي إِلَّا بِقَلْبٍ مُفْرَدٍ فِيهِ تَوْحِيدٌ مُجَرَّدٌ فَإِذَا انْفَرَدَ الْقَلْبُ بِاللَّهِ فَهُمْ دَقَائِقُ التَّوْحِيدِ وَغَوَامِضُهُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ رُمُوزٌ وَإِشَارَاتٌ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا أَهْلُهَا وَلَا تَفْشَى إِلَّا لَهُمْ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَمَنْ أَفْشَى شَيْءٍ مِنْ أَسْرَارِهَا مَعَ غَيْرِ أَهْلِهَا فَقَدْ يَتَعَرَّضُ لِقَتْلِ نَفْسِهِ وَإِبَاحَةُ دَمِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
وَفِي السِّرِ أَسْرَارٌ دِقَاقٌ لَطِيفَةٌ | تُبَاحُ دِمَانَا جَهْرَةً لَوْ بِهَا بُحْنَا |
وَقَالَ: قُبُورُ الْأَسْرَارِ قُلُوبُ الْأَحْرَارِ، وَأَنَّ مَا تُشَاهِدُهُ الْأَعْيُنُ الشَّحْمِيَّةُ مِنْ هَذَا الْكَمَالِ لَا تَتَعَدَّى الْكَمَالَ الصِّفَاتِيَّ، وَهَذِهِ الْكَمَالَاتُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمُوَحِّدُونَ صُورَةَ الْكُلِّ فَهِيَ وَاحِدَةٌ فِي وُجُودِهَا وَظُهُورِهَا، حَيْثُ لَا تَعَدُّدَ فِي ذَاتِ الْمُتَجَلِّي وَأَنَّ صُورَةَ الْوُجُودِ لَا صُورَةَ لَهَا تَقَيُّدُهَا وَلَا صِفَةَ تَحُدُّهَا، فَمِنْ عَبْدِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّهَا صُورَةٌ ذَاتُ هَيْئَةٍ وَشَكْلٍ لَمْ يُصِبْ فِي عِبَادَتِهِ هَذِهِ فَيَكُونُ فِي مَقَامِهِ هَذَا مَقَامُ الْمَحْجُوبِينَ وَالْمُبْعَدِينَ عَنْ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فَصُورَةُ اللَّهِ فِي النُّورَانِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ




