احْتَجَبَ عَنْكَ بِلَا حِجَابٍ وَقَرِّبَ إِلَيْكَ بِلَا اقْتِرَابٍ، بَعِيدًا فِي قُرْبِهِ قَرِيبًا فِي بُعْدِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَوْجَدَ الْعَوَالِمَ الْعَلْوِيَّةَ وَالسُّفْلِيَّةَ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَكِنْ أَوْجَدَهَا لِتَرَى الْحَقَّ الْمُتَجَلِّيَ فِيهَا.
فَمُرَادُ الْحَقِّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ أَنْ تَرَاهَا بِعَيْنِ مَنْ لَا يَرَاهَا، تَرَاهَا مِنْ حَيْثُ ظُهُورُهُ وَتَجَلِّيهِ فِيهَا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِيَّتُهَا، بَلْ أَرَادَ مِنْكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ النُّورِ اللَّطِيفِ الَّذِي قَامَتْ الْأَشْيَاءُ بِهِ وَيُسَمَّى هَذَا النُّورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ بِالنُّورِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ لِشِدَّةِ بَهَاءِ شُعَاعِهِ وَإِشْرَاقِ نُورِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ لِأَنَّ شِدَّةَ الْقُرْبِ تُوجِبُ عَدَمَ الْإِدْرَاكِ كَسَوَادِ الْعَيْنِ مِنْ نُورِ الْعَيْنِ فَالْإِنْسَانُ لَا يُدْرِكُ سَوَادَ عَيْنِهِ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ مِنْ نُورِهَا، وَهُوَ تَعَالَى لَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَيْكَ، لِقَوْلِ ارْسِتْطَالِيسْ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ الْحِجَابَ لَيْسَ أَمْرًا وُجُودِيًّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وُجُودِيٌّ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنَ اللَّهِ وَلَا شَيْءَ أَقْرَبَ مِنْ اللَّهِ إِلَيْكَ.
وَهُوَ تَعَالَى أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِتُشَاهِدَ مَا فِيهَا مِنْ جَلَالِ عَظَمَتِهِ وَمَعَانِي أَسْرَارِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ لِتَدْخُلَ بِهِ مِنَ




