هَذَا لِلرُّوحِ لَا لِلْحَوَاسِّ وَحُصُولُهُ عَنْ طَرِيقِ الْجَوَارِحِ هُوَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ قُرْبِ النَّوَافِلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ عِزُّهُ: لَمْ يَزَلْ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَكُونَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدُهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلُهُ الَّتِي يَسْعَى عَلَيْهَا. حَيْثُ تُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْمَعَانِي مَا يُدْرِكُهُ ذَوْقًا أَيْ كَشْفًا وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِفْصَاحُ عَنْهُ.
وَالْحِكْمَةُ مِنْ عِلْمِ الْأَرْجُلِ هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾(1) أَيْ لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا أَحْكَامَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَعَمِلُوا بِهِ وَتَدَبَّرُوا مَعَانِيَهُ وَكَشَفُوا حَقَائِقَهُ لَفَاضَتْ عَلَيْهِمُ الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْأَسْرَارُ الرَّبَّانِيَّةُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَلَا تَقْلِيدٍ وَهُوَ الْأَكْلُ مِنْ فَوْقُ، وَلَفَازُوا بِالْعُلُومِ الْحَاصِلَةِ لَهُمْ مِنْ سُلُوكِهِمْ وَتَصْفِيَةِ بَوَاطِنِهِمْ، وَسِيَرِهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الصِّرَاطُ لِلسُّلُوكِ عَلَيْهِ وَالسَّيْرُ فِيهِ وَهُوَ الْأَكْلُ مِنْ تَحْتِ الْأَرْجُلِ.




