مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

شَمْسُ الْأَسْرَارِ وَبَوَارِقُ الْأَنوَارِ - مُحَمَّدُ كَامِلٌ الْعَلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 54 من 189

وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبِّهُ. فَإِذَا عَرَفَ الْعَارِفُ نَفْسَهُ عَرَفَ أَنَّهَا عَيْنُ الدَّلِيلِ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَالنُّورُ دَلِيلٌ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَا يُظْهِرُهُ لِلْعَيْنِ، وَظَهَرَ بِالسُّبُحَاتِ كَثْرَةُ الْمُمْكِنَاتِ فِي مِرْآةُ الْحَقِّ، فَهِيَ أَنْوَارٌ ذَاتِيَّةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حَجْبُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَالسُّبَحَاتِ الْمُحَرَقَةِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِكُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ هِيَ سُبُحَاتُ الْعَيْنِ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَوْلَا النُّورُ الَّذِي مَعَنَا لَمَا ثَبَتَ الرُّؤْيَةُ وَلَا صَحَّ لِلْمُكَاشِفِ أَنْ يَكْشِفَ مَا خَلْفَ الْجِدَارِ، وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ أَسْرَارٍ، وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَارٍ لِأَنَّ الْعُلُومَ الْكَشْفِيَّةَ لَا يُمْكِنُ الْحُصُولُ عَلَيْهَا إِلَّا مِنْ عَيْنِ الْيَقِينِ، لِأَنَّهَا مِنْ الْعُلُومِ الْإِلْهَامِيَّةِ وَاللَّدَنِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَم لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا بِالْكَشْفِ أَوْ أَنْ يَنْعِمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَخٍ مُؤْمِنٍ عَارِفٍ بِهَذِهِ الْأَسْرَارِ فَالْأَنْوَارُ السَّمَاوِيَّةُ هِيَ الْمُشْرِقَةُ عَلَى الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ، وَمِنْهَا مَدَدُهَا حَيْثُ كُلُّ مَا يَجْرِي وَمَا يَحْدُثُ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْكَوْنِيِّ لَهُ صُورَةٌ قَبْلَ التَّكْوِينِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَلِكُلِّ قُوَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى نُورٌ يَخُصُّهُ، وَلَوْلَا هَذَا النُّورُ وَإِشْرَاقُهُ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ لَمَا عَرَفْنَا شَيْءٌ مِنْ أَسْرَارِ هَذَا الْوُجُودِ وَتَجَلِّيَاتِ الرَّبِّ الْمَعْبُودِ، وَلَا عَرَفْنَا اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ وَبَقِينَا وَاقِفِينِ خَلْفَ الْجِدَارِ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَى الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالْعَالَمَ السُّفْلِيَّ الْبَشَرِيَّ قُوَّةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ كُلٌّ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ وَصَفَائِهِ لِقَبُولِ

الصفحة 54 من 189