السَّحَابُ وَرَفَعَ الْحِجَابُ لَقِيَ كُلَّ حَبِيبٍ حَبِيبَهُ وَعَرَفَ كُلَّ إِنْسَانٍ مَثْوَاهُ وَمُسْتَقَرَّهُ فَقَنِعَتِ النَّفْسُ بِشُهُودِ الْمَعَانِي. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو النَّوَاسِ:
فَلَوْلَا مَعَانِيكُمْ تَرَاهَا قُلُوبُنَا إِذَا | نَحْنُ إِيقَاظًا وَفِي النَّوْمِ إِنْ غِبْنَا | |
لَمُتْنَا أَسَا مِنْ بُعْدِكُمْ وَصَبَابَةٌ | وَلَكِنْ فِي مَعْنَى مَعَانِيكُمْ مَعَنَا |
أَيْ لَوْ لَا مَعَانِي ذَوَاتِكُمْ تَرَاهَا قُلُوبُنَا فِي مَظَاهِرِ صِفَاتِكُمْ، لَمَتْنَا عِشْقًا وَحُزْنًا عَلَى فِرَاقِكُمْ فَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَهِيَ مُصَدَّرُ الْحَيَاةِ فِي الْوُجُودِ، وَعَنْ طَرِيقِهَا تَتَحَرَّكُ الْأَشْيَاءُ فِي الْعَالَمِ، وَالصُّورَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ جَامِعَةُ لْعَالَمِيِّ الْمَلِكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَهِيَ الْمَثَلُ الْحِسِّيُّ الَّذِي بِمَعْرِفَتِهِ يَعْبُرُ الْعَارِفَ إِلَى الْعَالَمِ الْعَقْلِيِّ، فَالصُّورَةُ إِدْرَاكٌ حِسِّيٌّ، وَالْمَاهِيَّةُ مَوْضُوعٌ عِلْمِيٌّ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: أَعْرِفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرِفُكُمْ بِرَبِّهِ.
فَالنَّفْسُ هِيَ الْفَاعِلَةُ فِي الْأَجْسَامِ وَالْقُوَى، وَالْعَيْنُ الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ الْجَامِعَةُ لِلصُّوَرِ الْعَقْلِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ، حَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْ خَارِجِ ذَوَاتِنَا شَيْءٌ نَطْلُبُ عِلْمَهُ فَلَا نَتَوَهَّمُ بِطَلَبِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنَّا قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ مَعَنَا لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَارِفِ هِيَ مَعَنَا وَفِينَا، لِقَوْلِ الشِّيرَازِيِّ قَدَّسَهُ اللَّهُ: وَهُوَ ظِلَالُ الْأَنْوَارِ الْمُجَرَّدَةِ الْقَاهِرَةِ




