مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

شَمْسُ الْأَسْرَارِ وَبَوَارِقُ الْأَنوَارِ - مُحَمَّدُ كَامِلٌ الْعَلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 48 من 189

الرُّوحَانِيَّةِ وَلَا يَتَصَوَّرُهَا، لِأَنَّ أَفْعَالَ الرُّوحَانِيِّينَ لَا يَتَهَيَّأُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةُ بِهَا إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِجَوْهَرِ نَفْسِهِ وَكَيْفِيَّةِ فِعْلِهَا فِي جِسْمِهِ، وَمَا أَخَّصَّهَا اللَّهُ بِهِ.

فَإِذَا عَرَفَتْ ذَلِكَ عُرَفَتْ أَفْعَالُ الرُّوحَانِيِّينَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ بِمَا فِيهِ وَالْعَالَمُ الظِّلِّيُّ وَمَا يَحْوِيهِ وَقَادَهُ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهِ وَتَنْزِيهٍ، مُبْدِعِهُ، وَمَا أَبْدَعَهُ مِنْ مَوْجُودَاتِهِ، وَبِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يَكُونُ كَمَالُ الْمُؤْمِنِ بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.

وَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَمَّا فَصَّلَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ هَذِهِ النَّفْسَ اللَّطِيفَةَ عَنْ أَصْلِهَا وَتَغَرَّبَتْ عَنْ وَطَنِهَا، تَعَشَّقَتْ إِلَى أَصْلِهَا وَإِلَى مَحَبَّةِ سَيِّدِهَا، عِلْمُ الْحَقِّ تَعَالَى أَنَّهَا لَا تَصْبِرُ عَنْهُ، وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَرَاهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ كَمَالِ جَلَالِهِ وَنُورٍ بَهَاءٍ جَمَالِهُ مَا دَامَتْ فِي هَذَا السِّجْنِ الَّذِي هُوَ قَفَصُ الْبَدَنِ أَشْهَدَهَا تَعَالَى مَا بَرَزَ مِنْ تَجَلِّيَاتِهِ فِي مَظَاهِرِ مُكَوِّنَاتِهِ وَآثَارِ صِفَاتِهِ، لَكِنْ لَابُدَّ لِلْحَسْنَاءِ مِنْ نِقَابٍ وَلِلشَّمْسِ مِنْ سَحَابٍ، فَبَرَزَتْ أَنْوَارُ الْجَبَرُوتِ فِي رِيَاضِ الْمَلَكُوتِ فَغَطَّتْهَا سَحَائِبُ الْحِكْمَةِ وَآثَارُ الْقُدْرَةِ فَبَقِيَتْ النَّفْسُ تَتَعَشَّقُ إِلَى أَصْلِهَا مِنْ وَرَاءِ سَحَابِ الْأَثَرِ فَإِذَا انْقَشَعَ

الصفحة 48 من 189