اللَّهُ، وَمَنْ يَطْلُبْ رَبَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُوَ بِنَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ فِي سِرِّهِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَا جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِلَّا لِيَخْلُوَ مَعَ اللَّهِ فِي بَاطِنِهِ وَيُعَرِفَهُ، وَأَنْ يُشَاهِدَهُ فِي عَيْنِ مَظَاهِرِهِ وَإِلَّا فَلَا يَعْرِفُهُ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ إِلَى أَصْلِكَ تَعْرِفُ حَقِيقَتَكَ، وَأَصْلُكَ هُوَ الْغَيْبُ عَيْنُهُ وَرُوحَكَ هِيَ مِنْ أَسْرَارِ هَذَا الْغَيْبِ، فَإِذَا عُرَفْتَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ وَمَا أَشَرْتَ بِهِ إِلَيْكَ عَرَفْتَ نَفْسَكَ الَّتِي هِيَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ هَذَا الْغَيْبِ، وَإِذَا عَرَفْتَ نَفْسَكَ عَرَفْتَ رَبَّكَ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يَحْصُرُهُ زَمَانٌ.
وَاعْلَمْ يَا وَلَدِي: أَنَّ الْمَلْكَ وَعَالِمَهُ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْمَلَكُوتِ مَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ، وَاللَّاهُوتُ مَا يُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالرُّؤْيَةِ الصَّادِقَةِ، وَهَذِهِ الْعَوَالِمُ الثَّلَاثُ يَجْمَعُهُمْ مَكَانٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْعَوَالِمَ الثَلَاثُ بِاخْتِلَافِ الرُّؤْيَةِ، وَتَخْتَلِفُ الرُّؤْيَةُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْقُدْرَةِ وَاحِدَةٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَلَا تَغْيِيرَ، كَمَا لَا تَتِمُّ الْمَعْرِفَةُ الْكَامِلَةُ بِاَللَّهِ إِلَّا بِرَفْعِ الْحَجْبِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " وَكَشَفَ سُبُحَاتِ الْجَلَالِ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ " فَمَنْ لَا يَعْرِفُ جَوْهَرَ النَّفْسِ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الْأُمُورِ




