لِأَنَّ النُّقْطَةَ إِشَارَةٌ لِلذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ الَّتِي لَا يَجْرِي عَلَيْهَا تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ فِي وُجُودِهَا وَظُهُورِهَا وَاَلَّتِي لَا تَتَعَيَّنُ بِصِفَةٍ لِأَنَّهُ لَا صِفَةَ لَهَا.
وَلَمَّا شَاءَتْ الْوُجُودَ وَالظُّهُورَ، أَشْرَقَ مِنْ فَيْضِ جُودِهَا وَإِشْرَاقِ نُورِهَا الْأَلِفُ الْمَغْمُودُ فِي أَوَّلِ بِسْمٍ وَامْتَدَّ نُورُ الْأَلِفِ إِلَى الْبَاءِ مِنْ بَسْمٍ، وَعَنِ الْبَاءِ فَاضَ سِرُّ هَذَا الْوُجُودِ وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى وُجُودِهِ، وَظُهُورِهِ حَيْثُ بِالْأَلِفِ أَشْرَقُ وَظَهَرَ وَبِالْبَاءِ عُرْفٌ وَوَصْفٌ، وَجَمِيعُ مَا ظَهَرَ وَمَا وُصِفَ عَائِدٌ إِلَى النُّقْطَةِ، وَالنُّقْطَةُ هِيَ النُّورُ الَّذِي أَشْرَقَتْ عَنْهَا الْأَنْوَارُ، وَالسِّرُّ الَّذِي نَشَأَتْ عَنْهَا الْأَسْرَارُ، وَالْعَقْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْعُقُولُ وَالنَّفْسُ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهَا النُّفُوسُ وَالْعَيْنُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَنْهَا كُلُّ عَيْنٍ، فَغَايَةُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ وَمَعْرِفَةِ تَجَلِّيَاتِهِ وَظُهُورَاتِهِ فِي الْوُجُودَيْنِ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ عَزَّ عِزُّهُ: أَمْرُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعِبٌ وَسِرٌّ مُسْتَسرُّ. فَمَنْ وَصَلَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اتَّصَلَ بِشُعَاعِ النُّورِ وَعَرَفَ نَفْسَهُ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً وَعُرْفَ عَيْنِ الْوُجُودِ وَحَقِيقَةِ الْمَوْجُودِ، وَفَرْدَانِيَّةِ الرَّبِّ الْمَعْبُودِ وَإِلَّا فَلَا فَالنَّفْسُ هِيَ أَعْدَلُ شَاهِدٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَأَصْدَقُ رَائِدٍ يُخْبِرُ عَنْهُ




