تَجَلِّيهَا فِي هَذَا الْوُجُودِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْكَشْفِ الْإِلَهِيِّ، وَذَلِكَ بِحُدُوثِ تَجَلِّي يَتَجَلَّى بِهِ الْمَعْنَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَيُعْلَمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وَيُعَرِّفُهُ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْ أَيِّ مَخْلُوقٍ، وَلَا يَتِمُّ هَذَا الْكَشْفُ إِلَّا بِفِنَاءِ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ بِظُهُورِ رَبِّهِ وَإِذَا كُنْتَ عَارِفًا فَقُلْ مَا شِئْتَ وَصَرِّحْ بِمَا عَلِمْتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾(1)
لِأَنَّ الْأَبْصَارَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُحْدَثَةِ، فَمَنْ لَا يَعْرِفُ الصِّفَةَ لَا يَعْرِفُ الذَّاتَ وَالذَّاتَ هِيَ ذَاتُ الصِّفَةِ، وَعَيْنُهَا وَهِيَ الْمُتَجَلِّيَةُ بِأُفُقِ ذَاتِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، وَلَوْلَا تَجَلِّيهِ بِالصِّفَاتِ لَمَا عُرِفَتْ الصِّفَاتُ، وَأَنَّ الصِّفَاتِ لَا ظُهُورَ لَهَا بِذَاتِهَا، بَلْ ظُهُورُهَا بِظُهُورِ مُوجِدِهَا وَمَظْهَرِهَا، فَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُؤْمِنُ مَبْدَاهُ وَمُنْتَهَاهُ مِنْ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ هَذَا الْوُجُودِ وَأَسْرَارِهِ الْبَادِيَةِ مِنْ غَيْبِ وُجُودِهِ لِعَالَمِ الْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ.
وَمَبْدَأُ هَذَا الْعِلْمِ وَمُنْتَهَاهُ هُوَ النُّقْطَةُ الْوَهْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْكَائِنَاتِ وَنِهَايَةٌ الْمَوْجُودَاتِ، وَرُوحُ الْأَرْوَاحِ، وَنُورُ الْأَشْبَاحِ وَهِيَ سِرُّ الْوَاحِدِ الْأَحَدَ الْفَرْدُ الصَّمَدُ




