فَتَأَمَّلْ هَذَا الرَّمْزَ وَكَيْفَ طَلَبَ مِنْهُ الْمُشَاهَدَةَ الْعَيْنِيَّةَ. وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي هِيَ: "الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ" هِيَ الَّتِي تَظْهَرُ عَنْهَا عَالَمُ الْأَرْوَاحِ وَعَالَمُ الْأَجْسَامِ كَثِيفُهَا وَلَطِيفِهَا وَأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَقْلًا وَنَفْسًا وَأَظْهَرَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ: "الْهَوَاءَ وَالْمَاءَ وَالنَّارَ وَالتُّرَابَ" وَأَظْهَرَ النَّشْأَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَخْلَاطٍ وَهِيَ: "الدَّمُ وَالْبَلْغَمُ وَالْمَرَّتَانِ" فَأَقَامَ الْوُجُودَ عَلَى التَّرْبِيعِ وَجَعَلَهُ لِنَفْسِهِ كَالْبَيْتِ الْقَائِمِ عَلَى أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ، وَجَعَلَ لِهَذَا الْمَنْزِلِ التَّحَكُّمَ فِي هَذَا الْعَالَمِ، كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحِ فِي زُجَاجَةِ الزُّجَاجَةِ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مِشْكَاةٍ وَمِصْبَاحٌ وَزُجَاجَةٌ وَكَوْكَبٌ، وَالْخَامِسُ هُوَ الزَّيْتُونَةُ الْمُنَزَّهَةُ عَنْ الْجِهَاتِ.
فَالْحَقُّ تَعَالَى لَمْ يَحْتَجِبْ عَنْ خَلْقِهِ، بَلْ حَجَبَهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِسُوءِ أَفْعَالِهِمْ، فَإِذَا شَاءَ عَرَفَ نَفْسَهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى أَسْرَارِ تَجَلِّيَاتِهِ، لِأَنَّ التَّجَلِّيَ هُوَ كَشْفُ الْعُيُونِ عَنْ أَبْصَارِ الْعَارِفِينَ وَبِذَلِكَ الْكَشْفِ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ مَا لَا يُرَى لَا يُعْرَفُ وَلَا يَثْبُتُ وُجُودُهُ.




