لِذَلِكَ يُشَاهِدُ الْحَقَّ فِي كُلِّ صُورَةٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَاهِدُ هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صُورَةٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ هِيَ خَلْقٌ وَلَا يُحِسُّ لَهَا مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وُجُودٌ لِأَنَّهُ لَا يُشْعِرُ إِلَّا بِوُجُودِهِ تَعَالَى.
فَالْمُؤْمِنُ إِذَا شَمِلَتْهُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ وَفَنِّيَ عَنْ صِفَاتِهِ الْحِسِّيَّةِ وَبَقِيَ بِصِفَاتِهِ الرُّوحَانِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ وَيَفِيضُ عَلَيْهِ مِنْ فُيُوضَاتِ قُدْرَتِهِ الَّتِي يُجْرِيهَا عَلَى يَدِهِ مِنْ كَرَامَةٍ وَبُرْهَانٍ كَرَّمَهُ اللَّهُ بِهَا، فَيَفْعَلُ هَذَا الْمُؤْمِنُ مَا يُرِيدُ وَمَا يَشَاءُ بِقُدْرَةِ مَوْلَاهُ مِمَّا لَمْ يُظْهِرْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَا يَفْعَلُهُ سِوَاهُ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ قَوْلُهُ: إِنَّ الْمُؤْمِنُ بِصَفَاءِ نُورِ نَفْسِهِ وَجَلَاءِ بَصِيرَتِهِ وَارْتِسَامِ نَقْشِ الْكَمَالِ الصِّفَاتِيِّ بِالْجِهَادِ الْأَعْظَمِ بِقَضَاءِ حَاجَةِ أَخِيهِ بِالْوَصْلَةِ النُّورَانِيَّةِ فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ قَضَى دَيْنَ أَخِيهِ إِلَّا وَبَلَغَ الْوَصْلَةَ وَرَجَعَ الشُّعَاعُ لِلْقُرْصِ وَظَهَرَتْ صُورَةُ أَمِيرِ النَّحْلِ عَزَّ عِزُّهُ عَلَى صَفْحَتِهِ الْمُشْرِقَةِ الْمُقَابِلَةِ لِنُورِ الْعَقْلِ، فَيُصْبِحُ مَوْلَاكُ الْقَدِيمُ الْأَزَلُ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَعَيْنَهُ الَّتِي يَرَى بِهَا وَرِجْلُهُ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الرِّجْلُ وَالْيَدُ لَيْسَتَا هِيَ رَجُلٌ وَيَدٌ مُظْلِمَةٌ، بَلْ هِيَ مِنْ نُورٍ يَقْذِفُهُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ عَلَى الصَّفْحَةِ الْمُقَابِلَةِ لِإِشْرَاقِ




