وَالْبَصِيرَةُ هِيَ مَا تُشَاهَدُ بِهِ الْأَشْيَاءُ الْبَاطِنَةُ الْغَائِبَةُ عَنِ الْحِسّ مَعْرِفَتُهَا وَمُشَاهَدَتُهَا وَتَرِيكُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ تُعْطِيكَ حَقَائِقَ أَسْرَارِ هَذَا الْوُجُودِ، فَالْبَصَرُ صِفَاتٌ وَالْبَصِيرَةُ بُطُونٌ، وَمُشَاهَدَةُ الْقُلُوبِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ صَفَائِهَا وَشَفَافِيَّةِ نُورِهَا وَاتِّصَالِهَا بِالْمَحْبُوبِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ وَطَلَبَتِ الْقُرْبَ مِنْهُ قُرْبَ الْعَاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ وَالْمُحِبُّ لِحَبِيبِهِ، لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْقُلُوبِ هُوَ الِاتِّصَالُ بِمَنْ أَحَبَّتْهُ اتِّصَالُ تَنْزِيهٍ لَا اتِّصَالَ تَشْبِيهٍ كَمَا أَنَّ مُشَاهَدَةَ الْعِيَانِ هُوَ النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ التَّقَيُّدِ بِجَارِحَةٍ وَالْقَلْبُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لَكَ.
وَتَجَلِّي الْقَلْبِ هُوَ أَوَّلُ مَا يَقُومُ فِيهِ الْعَبْدُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الطَّرِيقِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَابِ الْفَنَاءِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْبَقَاءُ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِهِ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَقَدْ وَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ الَّذِي وَسِعَ الْحَقَّ، فَإِذَا عَرَفَ قَلْبُهُ عَرِفَ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ السَّمَاعُ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ قَبْلُ فَيَسْمَعُ الْحَقَّ بِالْحَقِّ فِي بَيْتِ الْحَقِّ، وَبِهَذَا السَّمَاعِ يَكُونُ الْخُرُوجُ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ لَمْ يَسْعَ الْحَقَّ غَيْرَهُ.




