فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْأَقْطَارِ عِنْدَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِ النَّهَارِ وَالسِّرِّ فِي ذَلِكَ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ وَمُوَارَاتِهَا بِهَا عَنْ كُلِّ عَيْنٍ لِأَنَّ الصُّورَتَانِ إِذَا كَانَتَا ظَاهِرَتَانِ مَعًا، فَإِنَّ نُورَ الْقَمَرِ لَا يُرَى بِالنَّظَرِ الْعَيْنِيِّ لِغُرُوبِ نُورِهِ عِنْدَ إِشْرَاقِ نُورِهَا، وَيَبْقَى قُرْصُهُ ظَاهِرًا مُشَاهِدًا مُعَايَنًا، وَذَلِكَ لِعِظَمِ بَهَاءِ سُطُوعِ نُورٍ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ السَّاتِرَةِ لَهُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَغَابَتْ فِي عَيْنِهَا أَشْرَقَ نُورُهُ وَامْتَدَّ ضِيَاؤُهُ فِي مَشْرِقِ الدُّنْيَا وَمَغْرِبِهَا وَقِبِلَتِهَا وَشِمَالُهَا فَيَغِيبُ نُورُهُ نُورَ الْكَوَاكِبِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الشَّيْخِ عَلِي سَلْمَانَ الْمُرَيْقِبِ قُدِّسَ سِرُّهُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ شُعْبَةَ عَنْ سَيِّدِنَا الْخَصِيبِيِّ رِضْوَانِ اللَّهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ ظَاهِرَةً وَالْقَمَرُ ظَاهِرًا فِي السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ نُورًا، وَلَا يَقَعُ الْعِيَانُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَنْوَارِهِ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ عَنْهُ وَبَعُدَتْ عَادَ نُورُهُ الْمُتَّحِدُ بِهِ وَأَشْرَقَ وَاتَّسَعَ فِي شَرْقِهَا وَغَرْبِهَا وَغُيِّبَتْ أَنْوَارُهُ الْقَرِيبَ مِنْ الْكَوَاكِبِ فَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ لِمَنْ يَدْرِيهِ وَنَبَأٌ عَظِيمٌ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ بِهِ وَسِرٌّ كَرِيمٍ لَا يَتَفَحَّصُ عَنْهُ إِلَّا ذُو رُتْبَةٍ وَلَا يَعِيهِ إِلَّا ذُو مَنْزِلَةٍ وَحَقًّا أَقُولُ أَنَّ مَنْ يَصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا السِّرِّ يَكُونُ لَهُ رُتْبَةٌ عَالِيَةٌ وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ




