عَدَدًا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ فِيهِ مَنْ خَالَقَهُ شَيْءٌ، وَلَا حِلَّ فِيهِ أَوْ مَازِجُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَلَّى مِنْ مَجَالَيْهِ وَمُظْهِرٌ أَظْهَرُهُ لِتَجَلِّي أَسْرَارِهِ وَإِشْرَاقِ أَنْوَارِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ وَغَاصَ فِي أَعْمَاقِ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ، وَاطَّلَعَ عَلَى حَقَائِقِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ غَيْرِ شَاكٍّ وَلَا مُرْتَابٍ، فَإِنَّهُ يَرْتَقِي إِلَى عَالِمٍ أَخَصَّ وَأَخْلَصُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ.
وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ مِنْ نَفِيسِ الْجَوَاهِرِ وَمِنْ أَعْلَى الْعُلُومِ وَأَرْفَعِهَا وَمِنْ أَسْمَى الْمَقَامَاتِ الَّتِي يَصْبُو إِلَيْهَا الْمُؤْمِنُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَبِهَا يَرْتَقِي إِلَى عَالِمِ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى مَعَ الْحُورِ وَالْوِلْدَانِ، حَيْثُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْعَارِفَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي نَصَبَهَا الْحَقُّ تَعَالَى لِلْعَمَلِ بِهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا مَا خَرَجَتْ عَنْهُ وَهُوَ سِرُّ هَذَا الْوُجُودِ وَزُبْدَةُ امْتِخَاضِ الْكَوْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَجْمُوعِ الْعَالَمِينَ عَلَوَيْهِ وَسُفْلَيْهِ أَمَّا الْجَاهِلُ الْمُرْتَابُ جَعَلَهَا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ لِجَهْلِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ وَإِدْرَاكِهِ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ فَأَشَارَ إِلَيْهَا وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا لِذَوَاتِهَا وَمَظَاهِرِهَا، لَا عَلَى مَنْ أَوْجَدَهَا وَأَظْهَرَهَا وَتَجَلَّى بِهَا، فَعَبْدُ الصِّفَاتِ دُونَ الذَّاتِ فَأَضَرَّ بِهِ الْجَهْلُ، وَحَرُمَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَظْهَرَ هَذِهِ الظُّهُورَاتِ وَلَا أَوْجَدَ الْعَوَالِمَ السَّمَاوِيَّةَ وَالْأَرْضِيَّةُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَالِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ، بَلْ أَوْجَدَهَا لِتَرَى فِيهَا مُبْدِيْهَا وَمَنْشِيَّهَا، تَرَاهَا مِنْ حَيْثُ الْمُتَجَلِّي بِهَا، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِيَّتُهَا.




