فَعَلَيْكَ يَا وَلَدِي بِمَحَبَّةِ إِخْوَانِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ بَذَلْتَ مَا بَذَلْتَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ وَعَلَيْكَ بِالتَّوَاضُعِ لَهُمْ بِمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْزُونَةِ عِنْدَهُ فَلَيْسَ كُلُّ تَوَاضُعٍ تَرَاهُ هُوَ تَوَاضُعًا وَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا التَّوَاضُعَ الظَّاهِرَ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ هُوَ تَوَاضُعٌ، بَلْ هُوَ تَمَلُّقٌ وَرِيَاءٌ، وَكَذِبٌ وَنِفَاقٌ حَيْثُ كُلٌّ يَتَعَلَّقُ عَلَى قَدْرِ مَطْلُوبِهِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ.
وَأَمَّا التَّوَاضُعُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ أَنَّهُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الطَّرِيقِ وَآخِرُ مَقَامٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ رِجَالُ اللَّهِ، وَحَقِيقَةُ هَذَا الْعِلْمِ هُوَ بِعُبُودِيَّةِ هَذِهِ النَّفْسِ، وَلَا تَصِحُّ مَعَ الْعَبودِيَّةِ رِئَاسَةٌ أَصْلًا لِأَنَّهَا ضِدٌّ.
وَلِهَذَا قِيلَ: آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ حُبُّ الرِّئَاسَةِ وَلَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْجَهْلِ.
وَإِنِّي أَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْإِخْوَانِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالْإِيمَانِ أَمْعَنُوا النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْأَسْرَارِ وَتَفَكَّرُوا فِكْرَ الْمُوَحِّدِينَ الْعَارِفِينَ الْأَبْرَارِ فِي دَقَائِقِ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ وَغُوصُوا قَعْرَ بِحارِهَا لِتَلْتَقِطُوا دُرَرَهَا الثَّمِينَةَ الَّتِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا إِلَّا كُلُّ غَوَّاصٍ وَلَا تَكُونُوا سَبَّاقِينَ إِلَى التَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ وَتَمَعَّنُوا فِي دِقَّةِ أَسْرَارِهَا وَانْظُرُوا نَظَرَ




