قَالَ تَعَالَى: يَا عَبْدِي إِنَّمَا مَنَحْتُكَ صِفَاتِي لِتُعْرِفَنِي بِهَا، فَإِنْ أَضَعْتَهَا سَلَبْتُكَ صِفَاتِي، يَا عَبْدِي فِيكَ لِلْعُلُومِ بَابَ مِفْتَاحِهِ أَنَا، وَفِيكَ لِلْجَهْلِ بَابُ مِفْتَاحِهِ أَنْتَ فَاقْصِدْ أَيْ الْبَابَيْنَ إِنْ شِئْتَ.
فَقُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ مَرَايَا لِقَبُولِ إِشْرَاقِ التَّجَلِّي الْإِلَهِيِّ، وَالْمَرَايَا بَعْضُهَا أَشَفُّ وَأَصْفَى مِنْ بَعْضٍ، وَبِقَدْرِ الشَّفَافِيَّةِ وَالصَّفَاءِ يَكُونُ الْإِشْرَاقُ مِنْ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَفُيُوضَاتِ الْأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوِي اثْنَانِ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَبِذَلِكَ رَفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَرَادَ ظُهُورَ هَذَا الْعَالَمِ وَظُهُورَ مِرْآةٍ لِهَذَا الْوُجُودِ يَرَى فِيهَا نَفْسَهُ، اقْتَضَى الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ جَلَاءَ تِلْكَ الْمِرْآةِ لِتَحَقُّقَ فِيهَا مَعَانِي الرُّؤْيَةِ وَغَايَةُ الْخَلْقِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ وَيَعْرِفَ أَسْمَائَهُ وَصِفَاتِهِ.
وَجَلَاءُ الْمَرْأَةِ مَعْنَاهُ كَشْفُ أَسْرَارِ هَذَا الْوُجُودِ بِنُورِ الْعَقْلِ وَضِيَاءِ التَّوْحِيدِ وَهَذَا لَا يَكَوَّنُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ الْعَارِفِ لِأَنَّ لَهُ مَنْزِلَةً رَفِيعَةً وَدَرَجَةً عَالِيَةً عِنْدَ اللَّهِ كَمَنْزِلَةِ إِنْسَانِ الْعَيْنِ مِنَ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْوُجُودِ قَلْبُ هَذَا الْوُجُودِ، وَعَقْلُهُ الْمُدْرِكُ لْحَقَائِقُهُ وَهُوَ كَائِنٌ جُسْمَانِيٌّ وَعَقْلِيٌّ إِلَهِيٌّ وَلَا يُدَانِيهِ فِي صِفَاتِهِ كَائِنٌ آخَرُ




