عَلَيْهِ الْأَنْوَارُ وَتَنْمَحِي عَنْ مِرْآةِ قَلْبِهِ صُوَرَ الْأَغْيَارِ، فَمَثَّلُوا الْقَلْبَ لِلْمِرْآةِ وَأَشَارُوا بِهَا لِلْبَصِيرَةِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْقَلْبِ الَّتِي تَتَجَلَّى بِهَا الْأَشْيَاءُ حُسْنُهَا وَقَبِيحُهَا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: الْمُؤْمِنِ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ. أَيْ أَنَّ وُجُودَ الْحَقِّ تَعَالَى كَالْمَرْأَةِ يَظْهَرُ فِيهَا نَفْسُ الْمَشَاهِدِ، وَذَاتُ الْمَشَاهِدِ كَالْمِرْآةِ يَظْهَرُ فِيهَا أَسْمَاؤُهُ تَعَالَى وَلَوْلَا ظُهُورُهُ فِي الْحِجَابِ لَمَا ظَهَرَ الْحِجَابُ، فَحِجَابُهُ عِنْدَ الْعَارِفِ بِهِ كَنْزٌ يُطْلَبُ مِنْهُ، إِذَا ظَهَرَ نُورُ الذَّاتِ وُجِدَتْ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ لَقَدْ مَثَّلُوا الْقَلْبَ بِالْمِرْآةِ حَيْثُ يَنْطَبِعُ فِيهَا كُلُّ مَا يُقَابِلُهَا فَالْقَلْبُ مُجلًّى لِكُلِّ تَجَلِّي مِنْ تَجَلِّيهِ وَتَجَلِّيَاتُهُ تَعَالَى بِحَجْبِهِ كَثِيرَةٌ لَا عَدَّ لَهَا وَلَا حَصْرَ.
وَالْقَلْبُ لَهُ وَجْهَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَظَاهِرُهُ "تُرَابِيٌّ جُسْمَانِيٌّ" وَبَاطِنُهُ "سَمَاوِيٌّ رُوحَانِيٌّ" فَكَثَافَةُ ظَاهِرِهِ لِمُبَاشَرَةِ الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِطَافَةِ بَاطِنِهِ لِمُوَاجَهَةِ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ الْعَلَوِيَّةِ، فَهُوَ كَالْمُرَآةِ لَهَا وَجْهَانِ ظَاهِرُهَا كَثِيفٌ وَبَاطِنُهَا لَطِيفٌ، فَلَوْ قَابَلَهَا مَا قَابَلَهَا أَرَتُهُ مَا يُقَابِلُهَا مُمَثِّلًا فِيهَا مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا تَحَيُّزٍ وَلَا اتِّصَالٍ وَلَا انْفِصَالٍ فَمَنْزِلَةُ الْقَلْبِ كَمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي لُطْفِهَا وَكَثَافَتِهَا كَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ مِرْآةٌ لِجَمِيعِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ.




