الْمَوْجُودَاتِ وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْمُتَفَرِّقَاتُ وَتَأْتَلِفُ الْمُتَبَايِنَاتُ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الْفَرْقِ صَعْبٌ وَهُوَ بَحْرٌ مُغْرَقٌ، غَرِقَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ إِلَّا أَهْلَ الشُّهُودِ وَالْوُجُودِ، وَلَقَدْ غَرِقَ فِي غَمَرَاتِ الْجَهْلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ مُرْشِدٌ كَمَا يَغْرَقُ فِي بَحْرِ الدُّنْيَا مَنْ لَيْسَ لَهُ سَفِينَةٌ وَلَا دَلِيلٌ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ هَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشِّيرَازِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ.
فَعِلْمُ التَّصَوُّفِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ وَسِرِّ تَجَلِّيَاتِهَا بِمَظَاهِرِهَا الْمَعْنَوِيَّةِ وَصِفَاتِهَا الْقُدْسِيَّةِ وَهُوَ مِنْ أَجْلِ الْعُلُومِ وَأَسْنَاهَا مَعْرِفَةً لِقَوْلِ صَاحِبِ كِتَابِ الْأَسْوَسِ: إِذَا كَانَ اللَّهُ أَجَلَ الْأَشْيَاءِ فَالْمَعْرِفَةُ بِهِ أَجَلُ الْعُلُومِ، لِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَبْحَثُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً إِمَّا بِالْبُرْهَانِ أَوْ بِالشُّهُودِ وَالْعِيَانِ، كَمَا يَبْحَثُ عَنْ تَصْفِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا وَتَخْلِيصِهَا مِنْ شَهَوَاتِهَا الْحِسِّيَّةِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ الْقَوَارِيرِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: عَلِمُ التَّصَوُّفِ مِنْ أَجْلِ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعْظَمُهَا مَحَلًّا وَفَخْرًا وَأَسْنَاهَا شَمْسًا وَبَدْرًا فَهُوَ بَابُ الشَّرِيعَةِ وَمِنْهَاجُ الطَّرِيقَةِ وَمِنْهُ تُشْرَقُ أَنْوَارُ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مَوَاهِبُ لَدُنِيَّةٌ وَأَسْرَارٌ رَبَّانِيَّةٌ نَطَقَتْ بِهَا أَفْكَارٌ قُدْسِيَّةٌ.




