تَقْصُرُ أَفْهَامَ الضُّعَفَاءِ عَنْ مَعْرِفَةِ أَسْرَارِهَا وَتَعْمَى الْعُيُونِ عَنْ بَوَارِقِ أَنْوَارِهَا وَهِيَ سِرُّ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
فَالْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ فِي هَذِهِ الدَّارِ يَجِبُ عَلَيْهِ هَجْرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَالْتِزَامُ الصَّمْتِ مَعَ عَوَامِّهِمْ، لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُؤْخَذُ بِكَلَامِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الرِّعَاعِ، لِذَا كَانَ حَظُّ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ الدَّارُ الْعُزْلَةُ عَنْ النَّاسِ وَانْفِرَادُهُ بِالْوَحْدَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَلَامَتَهُ حَيْثُ لَا وُصُولَ إِلَى هَذِهِ الْأَسْرَارِ إِلَّا بِقَلْبٍ مُفْرَدٍ فِيهِ تَوْحِيدٌ مُجَرَّدٌ فَإِذَا انْفَرَدَ الْقَلْبُ بِاللَّهِ فَهُمْ دَقَائِقُ التَّوْحِيدِ وَغَوَامِضُهُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا إِلَّا بِالرَّمْزِ وَالْإِشَارَةِ.
فَالْمُؤْمِنُونَ مَرْتَبَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ وَدَرَجَتُهُمْ سَامِيَةٌ وَجَلِيلَةٌ فَهُمْ مِنْ عَيْنِ ذَاتِهِ يَنْهَلُونَ، وَفِي بِحَارِ أَنْوَارِهِ يسَرْحُونَ وَيَمْرَحُونَ وَمِنْ رَحِيقِ الْأَزْهَارِ يَجْنُونَ ثِمَارَ عُلُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهُمْ، أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَسْكَنَهُمْ فَسِيحَ جَنَّتَهُ فَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
فَلَا قُرْبَ للَّهُ إِلَّا بِهِمْ وَلَا اسْتِجَابَةَ لِلدُّعَاءِ إِلَّا بِمَحَبَّتِهِمْ، وَلَا دُخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِأَخِيكَ الْمُؤْمِنِ، لِأَنَّهُمْ الصِّرَاطُ الْمَمْدُودُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُمْ سَادَةُ




