فَالْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْمُشَاهِدِ لِتَجَلِّيهِ فِي مِرْآةِ الْوُجُودِ يُفِيضُ قَلْبَهُ نُورًا إِذْ تَنْعَكِسُ عَلَى قَلْبِهِ أَسْرَارُ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَنْكَشِفُ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الْوُجُودِ فِي مَقَامِ الْكَشْفِ وَالظُّهُورِ وَهِيَ السَّعَادَةُ الَّتِي لَا يُسَاوِيهَا شَيْءٌ آخَرُ.
أَمَّا أَصْحَابُ الْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ لَمْ تَنْعَكِسْ عَلَى مَرَايَا قُلُوبِهِمْ سُوی صُوَرٌ نَاقِصَةٌ وَعَاجِزَةٌ مِنْ إِشْرَاقٍ وَإِغْرَابٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتٍ يَنْتَزِعُونَهَا مِنْ صُوَرِ عُقُولِهِمْ النَّاقِصَةِ وَأَفْكَارِهِمْ الْخَيَالِيَّةِ مِمَّا لَا وُجُودَ لَهُ فِي تَجَلِّيَاتِهِ وَظُهُورَاتِهِ تَعَالَى وَاعْلَمْ أَنَّ الصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَفْنَى وَلَا تَغِيبُ إِلَّا عِنْدَ تَجَلِّي الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ، وَبِهَذَا التَّجَلِّي يُغِيبُهُمْ اللَّهُ بِشُهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِمْ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الذَّاتِ، فَيَعْلَمُهُ اللَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ عِلْمًا لِدُنْيَا وَيُعَرِّفُهُ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً بِمَا عَرَفَهُ مَوْلَاهُ، وَيَعْبُدُهُ بِتَعْلِيمِهِ لَهُ، وَهُنَاكَ يُشَاهِدُ الْأَرْوَاحَ الْقُدْسِيَّةَ، وَتَنْطَقُ نِهَايَتُهُ إِلَى بِدَايَتِهِ، فَمَنْ لَمْ يَصِلْ بِهَذَا الْعِلْمِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا فِي الْحَقِيقَةِ وَلَوْ قَرَأَ مَا قَرَأَ مِنْ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ حَيْثُ لَا يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: الْمُؤْمِنُ سَرِّي، وَأَنَا سِرُّهُ.




