وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْغَيْبِ إِلَّا بِمِفْتَاحِ الْغَيْبِ، وَمَفَاتِيحُ الْغَيْبِ هِيَ الْأَسْمَاءُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، إِذْ الْغَيْبُ لَا يَكُونُ مِفْتَاحُهُ إلَّا غَيْبًا، وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ هِيَ لِلْحَقِّ تَعَالَى فَإِنَّهُ مُسَمِّيهَا وَمُوجِدُهَا وَهِيَ الَّتِي فَتَحَ بِهَا الْوُجُودَ التَّكْوِينِيُّ مِنْ عَالَمِ الْأَكْوَانِ وَالْأَجْسَامِ وَأَظْهَرَهَا مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى عَالَمِ الْوُجُودِ وَالظُّهُورِ، حَيْثُ بِالْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ كَانَ ظُهُورُهَا، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ هِيَ مِفْتَاحُ ذَلِكَ الْغَيْبِ، فَالْمِفْتَاحُ غَيْبٌ وَالْغَيْبُ هُوَ النُّورُ السَّاطِعُ الْبَادِي مِنْ وَجْهِ الْمَحْبُوبِ الَّذِي أُظْهَرَ بِهِ جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْوُجُودِ.
فَصْلُ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ
كَمَا أَنَّ الرَّقِيقَةَ الْفِكْرِيَّةَ هِيَ أَحَدُ هَذِهِ الْمَفَاتِيحِ، وَمَفَاتِيحُ الْغُيُوبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ حَقِّيٌّ، وَنَوْعٌ خُلُقِيٌّ.
فَالنَّوْعُ الْحَقِّيُّ: هُوَ حَقِيقَةُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَالصِّفَاتُ الْقُدْسِيَّةُ.
وَالنَّوْعُ الْخِلْقِيُّ: هُوَ مَعْرِفَةُ تَرْكِيبِ ذَاتِ الْإِنْسَانِ مُنْذُ أَنْ كَوَّنَهُ اللَّهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ حَتَّى زَمَنِ وِلَادَتِهِ وَمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْأَسْرَارِ، لِأَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ هِيَ أَكْبَرُ حَجَّةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَهِيَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَالْهَيْكَلُ الَّذِي




