اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَدَ الْفَاتِحَةَ أَوْجَدَ بَعْدَهَا الْكِتَابَ الْكَرِيمَ وَجَعَلَهَا مِفْتَاحًا لْأَسْرَارَ هَذَا الْكِتَابَ وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ الْجَامِعِ لِأَسْرَارِ الْوُجُودَيْنِ النُّورَانِيِّ وَالظِّلِّيِّ وَالْأُمُّ هِيَ الْجَامِعَةُ الْكُلِّيَّةُ لْحَقَائِقِ هَذَا الْوُجُودِ وَمَكَانٌ لِهَذَا التَّجَلِّي وَمَحَلٌّ لِلْإِيجَادِ، وَالْمَوْجُودُ فِيهَا هُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾﴿1﴾ وَهِيَ مَصْدَرُ الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ مَوْجُودٌ فِيهَا بِالْقُوَّةِ كَوُجُودِ النَّخْلَةِ فِي النَّوَاةِ، لِأَنَّهَا بِحَقِيقَتِهَا الَّتِي هِيَ الْمَشِيئَةُ جَامِعَةُ لْجَمِيعِ أَجْزَاءَ الْكِتَابِ التَّكْوِينِيِّ الَّذِي لَيْسَ الْكِتَابُ التَّدْوِينِيُّ إِلَّا لِبَيَانِهَا
وَبِهَذَا تَعْلَمُ كَيْفَ كُتِبَ بِالْقَلَمِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الَّذِي هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ جَمِيعُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَالْكِتَابُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْجَامِعُ لِلْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ وَالسُّوَرِ بِمَا فِي ذَلِكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا بِهِ وَمِنْهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا افْتُتِحَ بِهَا كِتَابُ الْوُجُودِ وَجَعَلَهَا سِرَّ الْكِتَاب وَبَاطِنَهُ وَهِيَ الْمَثَلُ الْمُنَزَّهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾﴿2﴾




