أَيْ مَنْ عَرَفَ اللَّامَ الثَّانِيَةَ عَرَفَ الْأَلِفَ فَجَعَلَ نَفْسَكَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ كَوْنَك دَلِيلًا عَلَيْك وَدَلِيلًا عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ رَبَّهُ فَانْظُرْ فِي الْتِفَافِ اللَّامِ بِالْأَلِفِ وَكَيْفَ أَنَّ اللَّامَ يَظْهَرُ فِي النُّطْقِ قَبْلَ الْأَلِفِ.
فَانْتَبِهْ لِذَلِكَ وَدَقِّقْ بِهِ فِكْرَكَ تَجِدُ أَسْرَارًا يَعْجِزُ اللِّسَانُ عَنْ كَشْفِهَا وَالتَّصْرِيحِ بِهَا. كَمَا أَنَّهُ فِي الرَّحْمَنِ أَسْرَارٌ عَظِيمَةٌ وَإِشَارَاتٌ دَقِيقَةٌ لِأَنَّهَا نَفْسُ الْوُجُودِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ الرُّوحَانِيَّةُ وَالْجُسْمَانِيَّةُ وَهِيَ الصِّفَةُ الْجَامِعَةُ لِلصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالْحَيَاةِ، وَبِالْحَيَاةِ ظَهَرَتْ الصِّفَاتُ السَّبْعُ وَجَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ هِيَ لِلذَّاتِ الْأَزَلِيَّةِ وَهِيَ الْأَلْفُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ الْمِيمِ وَالنُّونِ مِنْ الرَّحْمَنِ، فَالْأَلْفُ الْمُفْرَدُ فِي أَوَّلِهَا هُوَ أَلْفُ "الْعِلْمِ" وَاللَّامُ "الْإِرَادَةُ" وَالرَّاءُ "الْقُدْرَةُ" وَالْحَاءُ "السَّمْعُ" وَالْمِيمُ "الْبَصَرُ" وَالنُّونُ "الْكَلَامُ" وَالْحَيَاةُ هِيَ الْمُرَافِقَةُ لِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَبِهَا تَظْهَرُ، لِأَنَّ جَوْهَرَ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ عُلْوِيِّهِ وَسُفْلِيِّهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْحَيَاةِ الْمُودَعَةِ فِي نَمُوذَجِ الْمَاءِ وَالْمَاءُ فِيهِ سِرُّ الْحَيَاةِ وَالْأَلْفُ الَّذِي بَيْنَ الْمِيمِ وَالنُّونِ هُوَ لِلذَّاتِ الْأَزَلِيَّةِ وَحُذِفَتْ خَطَّاً لدَّلَالَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَيْهَا مِنْ قِيَامِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ وَلِهَذَا السِّرِّ الْجَلِيلِ تَجَلَّتْ الصِّفَاتُ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلَمْ يُشَاهِدُوا غَيْرَهَا وَتَقِيَّدُوا بِهَا تَقَيُّدًا كَامِلًا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا هِيَ الذَّاتُ، لِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوا إِلَهًا لَهُمْ غَيْرَ الصِّفَاتِ فَعَبَدُوا




