تَعَالَى هُوَ النُّورُ الْكُلِّيُّ وَالْمُحَالُ الْعَدَمُ هُوَ الظَّلْمَةُ، وَالْإِنْسَانُ الْقَائِمُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ بَرْزَخٌ لَا يَتَّصِفُ بِالنُّورِ لِذَاتِهِ، وَلَا بِالظُّلْمَةِ لِذَاتِهَا وَهُوَ الْبَرْزَخُ مَا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ الْجَامِعِ لِعَالَمِ الْحِسِّ وَعَالَمِ الْعَقْلِ وَهُوَ الْمَانِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ الِامْتِزَاجِ وَتَكَدُّرِ الرُّوحِ بِالْجِسْمِ وَكَثَافَتِهِ.
فَالْعِلْمُ بِالْمُمْكِنِ هُوَ بَحْرُ الْعِلْمِ الْوَاسِعِ الْعَظِيمِ الْأَمْوَاجِ الَّذِي تَغْرَقُ فِيهِ السُّفُنُ، فَهُوَ الْجَامِعُ لِأَسْرَارِ هَذَا الْوُجُودِ، فَالنُّورُ الْمَوْجُودُ فِي الْمُمْكِنُ مَا هُوَ إِلَّا وُجُودُ الْحَقِّ إِذْ لَوْلَا النُّورُ مَا وُجِدَ لَهُ عَيْنٌ وَلَا اتَّصَفَ بِالْوُجُودِ، فَمَا فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ، وَتَخْتَلِفُ عَلَى النُّورِ الْأَسْمَاءُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْقُوَى فَهِيَ عِنْدَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَلْقِ أَسْمَاءٌ لِلْقُوَى وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ هِيَ أَسْمَاءٌ لِلنُّورِ الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ الْأَشْيَاءُ حَيْثُ إِذَا أَدْرَكَتْ الْمَسْمُوعَاتُ سَمَّيَتْ ذَلِكَ النُّورَ سَمْعًا، وَإِذَا أَدْرَكَتْ الْمُبْصِرَاتُ سَمَّيَتْ ذَلِكَ النُّورَ بَصَرًا وَهَكَذَا، فَكُلُّ مَا يَقَعُ بِهِ الْإِدْرَاكُ مَا هُوَ إلَّا النُّورُ فَشَأْنُ الْحَقِّ تَعَالَى التَّجَلِّي الدَّائِمَ، وَشَأْنُ الْمَخْلُوقَاتِ التَّغَيُّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَمَنْ عَرَفَهُ عَبَدَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ أَنْكَرَهُ، فَتَجَلَّى أَحَدَيْ الْعَيْنِ فِي أَعْيَانِ مُخْتَلِفَةِ الْكَوْنِ فَرَأَتْ صُوَرَهَا فِيهِ فَشَهِدَ الْعَالَمُ بَعْضَهُ بَعْضًا فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَمِنْهُ الْمُوَافِقُ وَمِنْهُ الْمُخَالِفُ، فَظَهَرَتْ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ فِي أَعْيَانِ الْعَالَمِ دُنْيَا وَآخَرَةٌ لِأَنَّ أَعْيَانَ الْعَالَمِ لَا تَزَالَ تُبْصِرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي تِلْكَ الْعَيْنِ




