فَصْلُ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ
وَاعْلَمْ يَا أَخِي: أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ سِرٌّ وَإِدْرَاكُ هَذَا السِّرِّ مِنْ الصَّعْبُ الْمُسْتَصْعَبُ إِلَّا لِمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
فَالْوُجُودُ الْمُطْلَقُ هُوَ وُجُودُ الْحَقِّ تَعَالَى الَّذِي وُجُودُهُ عَيْنُ ذَاتِهِ وَنَفْسُ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ أَحَدًا أَبَدًا وَوُجُودُ مَا سِوَاهُ مِنْهُ وَبِهِ وَعَنْهُ فَهُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْوُجُودِ هِيَ النُّقْطَةُ الَّتِي إِلَيْهَا تَنْتَهِي مَعْرِفَةُ الْعَارِفِينَ وَسُلُوكُ السَّالِكِينَ وَهُوَ عَيْنُ الْيَقِينِ وَحَقُّ الْيَقِينِ، وَلِهَذِهِ أَسْمَاءٌ فِي عَالَمِ الْأَكْوَانِ فَهِيَ النُّقْطَةُ الْوَهْمِيَّةُ وَيُشَارُ إِلَيْهَا بِالْفَيْضِ الْأَوَّلِ وَهِيَ النُّورُ الْأَوَّلُ وَالْعَقْلُ الْأَوَّلُ، وَهِيَ عِلَّةُ الْعِلَلِ وَعِلَّةُ الْمَوْجُودَاتِ وَحَقِيقَةُ الْكَائِنَاتِ وَإِلَيْهَا تَنْتَهِي مَعْرِفَةُ الْعَارِفِينَ وَمِمَّا يَدُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَوْلَانَا عَزَّ عِزُّهُ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأَعْرِفَ.
فَقَوْلُهُ: كُنْت كَنْزًا مَخْفِيًّا: إِشَارَةٌ مِنْهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ لَا اسْمَ وَلَا بَابَ وَلَا شَمْسَ وَلَا قَمَرٌ وَلَا لَيْلٌ وَلَا نَهَارُ مَسْتُورًا بِسَوَاتِرِ الْغُيُوبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَلْقٌ مَوْجُودٌ بَعْدُ لِيَعْرِفَهُ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ إشَارَةٌ إلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ.




