ظَهَرَتْ الْأَعْيَانُ، وَلَوْلَا قَبُولُ الْأَعْيَانِ لِنَفْسِ الرَّحْمَنِ لَمَا اتَّصَفَتْ بِالْكِيَانِ، إذَا تَنَفَّسَ الصُّبْحُ ذَهَبْتْ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.
وَبِالِاخْتِصَارِ مَنْ عَرَّفَ نَفْسَهُ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ عَيْنُهُ فِي إِمْكَانِهَا عَرَفَ رُبَّهَ بِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ فِي الْوُجُودِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ التَّغْيِيرَاتِ الظَّاهِرَةَ فِي الْوُجُودِ هِيَ مِنْ حَيْثُ الْمُمْكِنَاتُ عَرَّفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ عَيْنُ مُظْهِرِهَا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الشَّهَادَةَ عَيْنَ تَجَلِّيهِ، وَجَعَلَ الْغَيْبَ عَيْنَ الْحِجَابِ عَلَيْهِ، فَهُوَ شَهَادَةٌ لِلْحِجَابِ لَا لِلْمَحْجُوبِ، فَالنَّفْسُ لَيْسَتْ مِنْ عَالَمِ الْوُجُودِ لِأَنَّهَا بَحْرٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا قَرَارَ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُجُودِ أَوْ يُتَّصَفُ بِهِ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَا اتَّصَفَ بِالْوُجُودِ فَلَهُ نِهَايَةٌ.
لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْكَوْنَ الْمُحَدَّثَ إلَّا مُحْدِثًا مِثْلَهُ يَكُونُ الْحَقُّ فِيهِ، فَالْمُؤْمِنُ عَيْنُ اللَّهِ فَلَا يَنْظُرُ الْحَقَّ إلَّا إلَيْهِ، وَهُوَ الْحِجَابُ وَالسَّتْرُ الْأَزْهَى وَالنَّوْرُ الْأَبْهَى.
فَالْأَنْوَارُ الْمُضِيئَةُ مُرَتَّبَةٌ فِي أُفُقِ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ فَلَا يُدْرِكُهَا حِسٌّ وَلَا يَتَنَاوَلُهَا لَمْسٍ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمُفِيضُ بِتِلْكَ الْأَنْوَارِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَمَدُّ لَهَا، وَهِيَ الْقَابِلَةُ لِإِفَاضَةِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ مِنْ الْعَقْلِ، وَالْفُرُوعُ الْبَادِيَةُ مِنْهَا الْأُمَّهَاتُ السُّفْلِيَّةُ وَالطَّبَائِعُ الْجُسْمَانِيَّةُ وَمَا يَبْدُو مِنْهَا وَيَتَكَوَّنُ عَنْهَا مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ




