فَالْأَنْوَارُ الْمُشَاهَدَةُ: هِيَ تَجَلِّيَاتُهُ وَظُهُورَاتُهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِنُورِ الْأَنْوَارِ فَظُهُورُ كُلِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى كُلِّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الْأَكْوَانِ هِيَ آيَةٌ لَهُ يُعَرِفُهُ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْفَضْلِ حَيْثُ لَا وُجُودَ لِأَيِّ مَوْجُودٍ إلَّا بِهِ وَالْكُلُّ مَوْجُودٌ بِوُجُودِهِ تَعَالَى لِأَنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ فَهُوَ مِنْ إشْرَاقِ فَيْضِ وُجُودِهِ فَعَالِمُ الشَّهَادَةِ ظَاهِرُهُ وَعَالِمُ الْغَيْبِ بَاطِنِهِ، وَلِكُلِّ بَاطِنٍ ظَاهِرٌ وَلِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِنٌ.
فَصْلُ مَعْنَى الْعَرْشِ
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى": مَعَانِيَ وَإِشَارَاتٍ دَقِيقَةً، لِأَنَّ الْعَرْشَ هُوَ مَظْهَرُ الْعَظَمَةِ الْمَكَانِ الَّذِي يَتَجَلَّى عَلَيْهِ الرَّحْمَنُ وَيُسَمَّى عِنْدَ الْعَارِفِينَ جِسْمَ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَكَانَهَا الْمُنَزَّهَ عَنْ الْجِهَاتِ السِّتِّ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالنَّفْسِ الْكُلِّيِّ وَهُوَ الْفُلْكُ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ الْأَفْلَاكِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالصُّورِيَّةِ، وَالِاسْتِوَاءُ الْإِلَهِيُّ وَهُوَ تَجَلِّي الْحَقِّ عَلَى الْقَلْبِ الْإِنْسَانِيِّ وَاتِّسَاعُ الْقَلْبِ لِلْحَقِّ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ مُجَلًّى وَهُيُولَى لِكُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ تَجَلِّيهِ تَعَالَى الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، الْغَيْبِيِّ وَالشَّهَادِيِّ وَاتِّسَاعُهُ لِلْحَقِّ هُوَ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ذُو سَعَةٍ يَتَّسِعُ لِفَيْضِ إِشْرَاقِ تَجَلِّيَاتِهِ عَلَيْهِ فَيَقْبَلُهَا




